تفاوتت نسب الفائدة بين المصارف المحلية خلال الشهر الماضي، لتصل في بعض الحالات إلى 240 نقطة أساس (2.4 %) بين بنك وآخر لنفس المنتج التمويلي. وفيما ترجع المصادر هذا التباين إلى «بورصة الفائدة» الداخلية لكل مصرف، يبرز مفهوم «التسعير القائم على المخاطر» كمحرك أساسي لمنح نسب تفضيلية لشرائح محددة من موظفي القطاعات الكبرى أو العملاء المميزين، وسط سباق محموم بين البنوك للاستحواذ على الحصص السوقية رغم ارتفاع تكلفة الإقراض عالمياً، واستمرار الضغوط التضخمية التي فرضت إيقاعاً متسارعاً على أسواق المال.

تكلفة الأموال

وتشير التقارير المصرفية المعمقة إلى أن التفاوت في نسب الفائدة ليس نتاج قرار عشوائي، بل يعود لما يُعرف بـ «تكلفة الأموال» داخل كل بنك؛ فالبنوك التي تمتلك قاعدة ضخمة من الودائع الجارية «غير المكلفة» تمتلك قدرة أعلى على تقديم تمويل عقاري بنسب فائدة منخفضة. ووفقاً لبيانات البنك المركزي السعودي (ساما) والتقارير المالية للربع الأول من عام 2026، تفاوتت نسب الفائدة بناءً على الملاءة المالية لكل بنك، حيث استطاعت بنوك «السيولة العالية» تقديم هوامش ربح تتراوح بين 4.75 % و5.25 % للعملاء المميزين، في حين اضطرت البنوك التي تعتمد على الاقتراض من سوق «الإنتربنك» أو إصدار سندات دين قصيرة الأجل لرفع هوامشها لتتراوح بين 6.50 % و7.15 % لتغطية تكلفة اقتراضها وحماية هوامش ربحها الصافية.


مسار نسبة الفائدة

وبالنظر إلى التسلسل الزمني لأسعار الفائدة العقارية في السوق المحلية، تظهر التقارير تحولاًً في التكلفة الإجمالية للتمويل؛ ففي يناير 2024، حين كان مؤشر «السايبور» لثلاثة أشهر يستقر عند 5.20 %، كانت البنوك تمنح عملاءها المميزين نسباً تبدأ من 3.90 %، بينما يواجه العملاء الآخرون نسبة 5.80 %. ومع مطلع عام 2025، ارتفع السايبور إلى 5.85 %، لتقفز أقل نسبة فائدة إلى 4.30 % وأعلاها إلى 6.50 %. وصولاً إلى مايو 2026، استقر السايبور عند 6.10 % نتيجة التقلبات الجيوسياسية وأثرها على سلاسل التوريد، مما دفع بأقل نسبة فائدة متاحة في السوق حالياً (لعملاء الفئة الممتازة) إلى 4.75 %، بينما لامست السقوف العليا لعملاء القطاع الخاص الناشئ حاجز 7.15 %، مما يكرس فجوة سعرية هي الأعلى تاريخياً بين فئات المقترضين، ويفرض تحديات جديدة على برامج التملك السكني.

الملاءة المالية

وفي سياق متصل، كشفت تقارير «سمة» للائتمان أن «الهوية الوظيفية» ليست العامل الوحيد، بل إن الملاءَة الشخصية تلعب دوراً محورياً في تحديد السعر النهائي؛ فالعملاء الذين تتجاوز رواتبهم حاجز 35 ألف ريال، أو من يمتلكون أرصدة ادخارية ومحفظة استثمارية نشطة لدى البنك، يُمنحون قوة تفاوضية تمكنهم من الحصول على استثناء سعرية تتجاوز النسب المعلنة. وتُشير التقديرات إلى أن كل 5 % إضافية يقدمها العميل كـ «دفعة مقدمة» فوق الحد الأدنى النظامي، تسهم في خفض نسبة الفائدة بمقدار 10 إلى 15 نقطة أساس، حيث يرى البنك في زيادة الدفعة المقدمة تقليلاً لمخاطر الائتمان وزيادة في جدية المقترض.

السيولة وأدوات الدين

ويرى خبراء في «كابيتال للاستثمار» أن السيولة المتوفرة لدى البنوك السعودية لا تزال ضمن النطاقات الآمنة وفق معايير «ساما»، إلا أن التفاوت في توزيع هذه السيولة وتكلفة الحصول عليها هو ما يخلق «بورصة الفائدة». فالبنوك التي نجحت في إصدار صكوك وسندات طويلة الأجل بأسعار ثابتة قبل موجة الارتفاع الحالية، تمتلك الآن «مخزوناً من السيولة الرخيصة» يتيح لها المنافسة بأسعار أقل من منافسيها الذين يعتمدون على ودائع زمنية مكلفة. هذا التباين الهيكلي في مصادر التمويل المصرفي يجعل من الصعوبة بمكان توحيد نسب الفائدة في السوق، ويجعل من «اسم البنك» عاملاً مؤثراً في قيمة القسط الشهري لا يقل أهمية عن قيمة العقار نفسه.

حرب الحصص السوقية

ورغم هذا الارتفاع المستمر في تكلفة التمويل، لجأت بعض البنوك إلى استراتيجية «خفض الهوامش» المتعمد؛ حيث تؤكد دراسة صادرة عن «معهد الأبحاث المالية» أن البنوك السعودية دخلت في حرب حصص سوقية شرسة، مضحية بـ 0.50 % إلى 0.75 % من هامش ربحها الصافي مقابل جذب موظفي الشركات الكبرى. ويأتي هذا التحرك لضمان «عملاء قليلي المخاطر»، حيث تشير الإحصاءات الرسمية إلى أن نسبة التعثر في سداد القروض العقارية لموظفي الشركات الكبرى والجهات الحكومية السيادية لا تتجاوز 0.7 %، مقارنة بـ 3.2 % في قطاعات التجزئة والشركات الصغيرة والمتوسطة، مما يشرعن «الفائدة الانتقائية» كأداة تحوط مالي تمنح موظفي القطاعات المصنفة (Class A) خصماً ائتمانياً مباشراً يصل إلى 1.2 % مقارنة بغيرهم، وهو ما يفسر تهافت البنوك على تقديم عروض حصرية لهذه الشرائح خلف الأبواب المغلقة.