تعرف عليه من خلال الكثير من اللقاءات، وكان في كل لقاءٍ يجمعهما يمجده، ويثني على إبداعه الأدبي والثقافي مبتسماً ضاحكاً، ويكاد يحتضنه من شدة الإعجاب، ومرت الأيام واكتشف أن هذا المبدع ليس إلا موظفاً عادياً في إحدى الوزارات الحكومية، وليس له من الدنيا إلا عمله، فهو مصدر رزقه، ولا يعرف للتجارة طريقاً، هو فقط متذوق للفن والجمال، وعلاقته بالثقافة والإبداع الأدبي والإعلام ممتدة لعقود، وقلمه هو بضاعته المزجاة يتنفس من خلاله، بعد أن صقلته التجارب، وهذبته المواقف، وأذاقته الحياة من مراراتها وقسوتها. أما صاحبه فقد كان مرفهاً، لم تهمه صوارف الأيام، وهو أصغر منه بما يقارب الخمسة عشر عاماً، ويحمل شهادة الدكتوراة، وهو محاضر في إحدى جامعات المدن الكبرى، ولا تكاد تحمله الأرض من الفرحة حينما يجد الفرصة ليُعرف بشهادته بمناسبة أو دون مناسبة - في المناسبات والملتقيات الثقافية والمعارض والمؤتمرات والندوات - فهي وجاهته التي يعتمد عليها حينما يقدم نفسه للآخرين، معتقداً أنها تغطي سوءته، وتستر ما يشعر به من نقصٍ وقلة وعي ومعرفة.

‏تغير الأكاديمي على صاحبه الأديب، ولم يعد يحتفي به كما كان حينما عرف خبره، فتبدلت طلاقة الوجه إلى عبوس، وما يكاد يسلم عليه صاحبنا حينما يلتقيه، ويبدأ معه الحديث إلا ويصرف عنه النظر سريعا؟! فنظراته لا تمل من البحث إما عن من حصل على شهادة كشهادته وتخصصه، وإما مسؤول كبير يحاول التقرب منه، أو البحث عن أهل المال والشهرة، ولا أخفيكم بأنه في كثير من الأحيان يفقد توازنه، ويتعثر في مشيته، وتزداد نبضات قلبه حينما يمر أمامه طيف امرأة عابر أو حين تقع عينه عليها، حتى لو كانت لا تعرف معنى القراءة والكتابة، المهم أنها أنثى، والفرصة سانحة للتحدث معها، وهذا ما حدث بالفعل!! ولذلك سر! فصاحبنا قد درس كل مراحله التعليمية بعيداً عن التمدن والمدن الكبرى، وليست لديه المهارات اللازمة والذكاء التجتماعي والعاطفي للتعامل مع الآخرين، خصوصا مع الجنس الناعم، فعيناه لم تعتد على رؤية النساء، ولم تسبق له مخالطتهم ومحادثتهم، ولم ينبض قلبه يوماً ويميل، وهو أبعد ما يكون عن الفن، وتذوق الجمال والأدب، فالمشاعر مجرمةٌ في بيئته التي نشأ فيها، والقسوة والجلافة فيها قد استوطنت أعماقه، وتشربها توجهه بغير إرادته، فهي أصل وعنوان للرجولة في عرفهم كما يعتقدون، وهو من قرية نائيةٍ يعمها السكون، وتعدادها السكاني قليل جداً، وهي بعيدة جداً عن ضجيج المدن وطفرتها وتحولاتها الحداثية، وشاء القدر أن يكمل دراسته الجامعية بكل مساراتها عندما تم افتتاح جامعة بالقرب من قريته القابعة في أعلى الجبال.

‏في أحد الأيام، دخل الأكاديمي أحد اللقاءات، وما إن همَّ بالسلام على صاحبه المثقف ومعانقته حتى وقعت عيناه على إحداهن وهي تنظر إليه وتبتسم في الجانب المقابل من الصالة، وفي لمح البصر اتجه إليها من حيث لا يشعر تاركا صاحبه في حالة ذهول واستغراب، وما إن اقترب منها حتى أدارت له ظهره وهي تضحك وتقهقه، مما أصابه بالخيبة والخذلان، حيث كانت تتحدث بالهاتف من خلال سماعتها التي لا تُرى من شعرها الكثيف! فحاول المتباهي بشهادته الرجوع لصاحبه الأديب، فوجد أحد الأكاديميين الكبار المؤثرين في المشهد الثقافي الوطني والعربي - ويعرفه القاصي والداني - يعانقه بحرارة، ويبادله الحفاوة نفسها، فأقبل عليه مسرعاً غير مصدق وهو بالكاد يلتقط أنفاسه، فقاطعهما وسلم عليه معرفاً بنفسه: معك الدكتور فلان بن فلان.. وحاول أن يُكمل ويستأثر بالحديث معه، ويتجاهل صاحب القلم، فرد عليه مقاطعاً:..ونعم فيك، الحين أنا مشغول مع الرجال، وأبيه في موضوع بعد إذنك، وإذا خلصنا أتشرف بك، فأصيب صاحب الشهادة بالخيبة مجدداً وهو الذي لم يعهد مثل هذا التعامل، فحاول الهروب من الموقف وهو يبتلع ريقه، ورد مذهولاً متلعثماً: أبشر طال عمرك، وأمسك بهاتفه، لينشغل به عن صدمته، وهو يسارق النظرات آملاً أن لم يره أحد الحاضرين.