عندما تتصفح خريطة العالم وتريد أن تتعرف على أكثر المدن عراقة وأكثرها قداسة وأهمية بين البشر، لا يسعك إلا أن تجعل من أرض كنعان إحدى تلك المدن، هذه الأرض والتي تنص الكثير من الوثائق التاريخية على أنها سميت بأرض كنعان نسبة إلى أول من سكنوها وهم العرب الكنعانيون القادمون من الجزيرة العربية، ليست كمثيلاتها من المدن قديمًا وحديثًا، بل ومستقبلًا، تنازع وتصارع على حكمها عشرات الدول والإمبراطوريات منذ أكثر من 4000 سنة إلى الآن.

فقد سكنها الكنعانيون كما ذكرنا وكذلك اليبوسيون وهم عرب كذلك، وهناك من دخلها إما بغزوها وقتل أهلها أو دخلها سلمًا من غير سفك دماء ولا تدمير معابد أو دور عبادة، ولكي تعلم قوة وصمود هذه المدينة في وجه البشرية الهوجاء التي قدمت غالبًا لهذه الأرض بأسلحة فتاكة، فلك أن تتخيل أن من حكمها هم أقوى الدول التي مرت في التاريخ والتي لا تخلو عجائب الدنيا السبع من آثار لهؤلاء، فهذه المدينة حكمها الكنعانيون، ثم حكمها أبناء يعقوب عليه السلام ثم الآشوريون القادمون من بلاد ما بين النهرين (العراق حاليًا)، ثم البابليون والذين ورثهم في حكم تلك المدينة المقدسة الفرس، ثم الإغريق بقيادة الإسكندر المقدوني أحد أشهر القواد في التاريخ، ثم أتى بعدهم الرومان وأشهر قوادهم قسطنطين وهرقل الذي عاصر عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وقابل أبا سفيان رضي الله عنه.

ثم بعد كل تلك الممالك أتى الفتح العظيم، ذلك الفتح الذي لم يرَ التاريخ مثله حيث لم تُسفك قطرة دم ولم تُهدم معابد، وهو الفتح العمري في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كيف لا وهو يعرف أن الأرض التي فتحها هي الأرض المباركة، ولعلك عرفت عزيزي القارئ عن أي مدينة نتحدث، إنها القدس، أرض القداسة والطهر، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنها عُرج به إلى السماوات السبع في أعظم رحلة لم تسمع البشرية بمثلها، إنها أرض النبوة والرسالات، فكم من نبي نزل عليه الوحي في هذه الأرض وكم من نبي مر بها وصلى فيها وكم من معجزات وقعت فيها، وأكثر ما اُشتهرت به هذه المدينة المباركة هو وجود المسجد الأقصى، هذا المسجد العظيم الذي صلى فيه أفضل من مشى على هذه البسيطة وهم الأنبياء عليهم السلام، وهو المسجد الذي لا يزال يشهد الصراع بين أصحاب الأرض الفعليين وبين من لا يملك الأرض وسكنها عنوة، ومن أعجب ما يميز هذه الأرض كثرة وتشعب خصائصها وأبعادها، فالقدس لها أبعادها الدينية وأبعادها التاريخية وكذلك أبعادها العسكرية وغيرها الكثير، فأبعادها الدينية كما ذكرنا تتمثل في وجود المسجد الأقصى بمكانته المعروفة بين المسلمين وكذلك وجود العديد من المساجد الأخرى كالمسجد الإبراهيمي ومسجد قبة الصخرة، وأما أبعادها التاريخية ففي وجود العديد من الأماكن ذات البعد التاريخي كالقلاع والحصون والبيمارستانات التي بُنيت في العهد الأيوبي بعد دخول صلاح الدين للقدس عام 583هـ، وكذلك المدارس التي بُنيت في العهد العثماني وغيرها الكثير، والذي دُمّر بسبب الصراعات والحروب التي قامت في تلك الأيام.


وأما بعدها العسكري فقد شهدت القدس أو كما كانت تُسمى أورشليم الكثير من الصراعات بين الإمبراطوريات، من عهد سرجون الآشوري وبُختنصر البابلي إلى عصرنا هذا، وستظل للقدس مكانتها العظيمة بين الناس بلا شك.