ولمعالجة الإصلاح في ظل نظام عالمي معقد كهذا، أنشأ الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، سبع مجموعات تابعة لفريق عمل المبادرة، تتولى معالجة قضايا متعددة، مثل السلام، والأمن، والعمل الإنساني، والتنمية، وحقوق الإنسان، والتدريب والبحث، والوكالات المختصة.
ثلاثة مسارات للإصلاح
يعتقد البعض أن هذه المبادرة قد تُمثل، في جوهرها، بداية الاستجابة الفعلية لتزايد الانتقادات بأن النظام الأممي بات مترهلا، وغير فعال، ومنفصلا عن الواقع الميداني.
وفي هذا السياق، أكد غاي رايدر، وكيل الأمين العام المعني بالسياسات رئيس فريق عمل «الأمم المتحدة 80»، أن المبادرة ستسلك ثلاثة مسارات رئيسة. يركز أولها على تحسين الكفاءة والفعالية الداخلية، وتقليص البيروقراطية، وتعزيز بصمة الأمم المتحدة عالميا من خلال نقْل بعض الوظائف إلى مراكز عمل أقل تكلفة.
بينما يهتم المسار الثاني بمراجعة تنفيذ التفويضات كافة التي تشير إلى مهمات أو مسؤوليات أسندتها الدول الأعضاء إلى المنظمة الأممية عبر قرارات اتخذها بعض أجهزتها، مثل الجمعية العامة أو مجلس الأمن، تجاه قضايا متنوعة من عمليات حفظ السلام والعمل الإنساني إلى حماية حقوق الإنسان والعمل البيئي. فعلى مر العقود الماضية، تراكم ما لا يقل عن 40 ألف تفويض، وقد تداخلت أحيانا تلك التفويضات أو أصبحت قديمة.
أما المسار الثالث والأخير فسيحاول استكشاف ما إذا كانت هناك حاجة إلى إجراء تغييرات هيكلية، وإعادة تنظيم البرامج على مستوى منظومة الأمم المتحدة.
دور المجتمع المدني.. شراكة أم تهميش؟
على الرغم من أهمية غايات هذه المسارات الثلاثة لفريق عمل مبادرة «الأمم المتحدة 80»، فإن العديد من منظمات المجتمع المدني سرعان ما أعربت عن قلقها البالغ إزاء استبعادها من المناقشات ومجموعات العمل، حيث وقعت أكثر من 600 منظمة غير حكومية رسالة مفتوحة، تنتقد غياب المشاركة الفعالة للجهات المحلية، محذرة من أن تهميش المجتمع المدني قد يُقوض شرعية هذه المبادرة الإصلاحية الجديدة وفعاليتَها.
وكان من بين أكثر المقترحات إثارة للجدل في إطار هذه المبادرة تلك التي تهدف إلى دمج الوظائف البرامجية، وتبسيط العمليات الميدانية. وعلى الرغم من أن هذه المقترحات تُقدم على أنها وسيلة للحد من التكرار وتعزيز الكفاءة، فإن منظمات المجتمع المدني تُحذر من أنها قد تؤدي إلى إعادة تركيز صنع القرار في مقار الأمم المتحدة المركزية والإقليمية، بعيدا من المجتمعات المحلية المتأثرة مباشرة بالبرامج التنموية.
وتكمن إحدى نقاط القلق الرئيسة الأخرى في مقترح «المنصات القُطرية المتكاملة»، التي تهدف إلى توحيد وكالات الأمم المتحدة تحت هيكل قيادة موحد على المستوى الوطني. وعلى الرغم من أن هذا الأنموذج قد يُحسن عمليات التنسيق الداخلي، فإنه قد يُقصي في الوقت نفسه الأصوات المُستقلة للمجتمع المدني لمصلحة شركاء مفضلين من قِبَل بعض الحكومات أو المانحين، خاصة في البيئات التي تُقيد فيها حرية التنظيم والتعبير. ففي مثل هذه السياقات، قد يؤدي هذا الأنموذج إلى تآكل التعددية، وإضعاف الرقابة المجتمعية على السياسات التنموية.
كما أن مراجعة تنفيذ التفويضات، التي تهدف إلى إلغاء أو دمج التفويضات «الزائدة» أو «ضعيفة الأداء»، تُثير مخاوف من أن يتم تقليص أو إلغاء بعض التفويضات المتعلقة بحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين والفضاء المدني، وهي ملفات غالبا ما تكون حساسة سياسيا. لذا أكدت رسالة الاحتجاج المشتركة أن مثل هذا «الترشيد»، إذا تم من دون مناقشات عميقة ومشاورات شاملة، فقد يقوض «جوهر الأمم المتحدة المعياري»، ويَحد من «قدرتها على حماية الفئات الأكثر ضعفا».
الأخطر من ذلك أن بعض المقترحات دعت إلى اعتماد آليات تمويل موحدة ومركزية، تُدار من خلال صناديق مشتركة على مستوى الدولة أو الإقليم، بدلا من تخصيص مباشر للجهات المحلية. وعلى الرغم من أن هذا الأنموذج قد يُسهّل عمليات الرقابة المالية، فإنه قد يُهدِّد استقلالية المجتمع المدني، ويُضعِف من قدرته على الابتكار والاستجابة السريعة للاحتياجات المحلية.
في هذا السياق، تؤكد نتائج بعض الدراسات الصادرة عن مركز التنمية العالمية أن الاعتماد على فكرة التمويل المركزي قد يُقلِّل من مرونة التدخلات بنسبة تصل إلى نحو 40 % مقارنةً بالتمويل المباشر للمجتمع المدني المحلي، خاصة في حالات الطوارئ أو النزاعات داخل المُجتمعات المحلية.
أزمة ثقة متراكمة
يبدو أن هذا التوتر يعكس أزمة ثقة أوسع في المؤسسات المتعددة الأطراف، تفاقمت بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي. فوفقا لمؤشرات إيدلمان للثقة لعام 2024، عبَّر 42% من المشاركين عالميا فقط عن ثقتهم في المنظمات الدولية مقارنة بـ55% في العام 2020، و65% في العام 2015، ما يُشير إلى تراجع تدريجي كبير في مقدار الثقة العامة. وتتطابق هذه النتائج تقريبا مع ما أظهره استطلاع لمنظمة التعاون والتنمية في العام نفسه حول محددات الثقة، حي أشار إلى أن أقل من 40% من المواطنين في 30 دولة من دول المنظمة يثقون في قدرة المؤسسات الدولية على معالجة القضايا العالمية، مثل تغير المناخ وعدم المساواة، وهو انخفاض واضح مقارنة بنتائج العام 2021.
إن الأمم المتحدة تواجه اليوم أزمة شرعية غير مسبوقة، مدفوعة بتراجع التمويل، وتضاؤل حجْم التأثير، وتزايُد حدة الاستقطاب السياسي بين الدول الأعضاء. ويبدو أن هذه المخاوف دفعتْ أغلب الدول الأعضاء إلى التعهُّد الصريح خلال قمة المستقبل، التي عُقدت في سبتمبر 2024، بضرورة العمل من أجل إعادة بناء الثقة في المنظومة الأممية، إلا أن تنفيذ هذا التعهد لا يزال محدودا للغاية حتى الآن.
هذه المؤشرات تُظهر أن مبادرة «الأمم المتّحدة 80»، على الرغم من طموحها الكبير، قد تواجه المصير المأزوم نفسه لوثيقة «ميثاق المستقبل» الأممية السابق ذكرها. فالمبادرة الجديدة ما زالت تتحرك وتعمل في بيئة مشحونة بالشكوك، يُنظر فيها إلى الإصلاحات الكبرى بعين الريبة، خاصة إذا لم تكن تشاركية وشاملة. والحقيقة أن تجاهُل هذه الأزمة المتراكمة في الثقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقوض شرعية المبادرة بدلا من تعزيزها.
مستقبل المساعدات الدولية
من ناحية أخرى، تأتي مقترحات هذه المبادرة الجديدة في وقت يشهد فيه نظام المساعدات الدولية العديد من التحولات الجذرية؛ فالأنموذج التقليدي القائم على علاقة المانح والمتلقي بات موضع تساؤل في ظل صعود التعاون بين دول الجنوب، والتمويل الرقمي، والدعوات إلى إنهاء هياكل السلطة الاستعمارية القديمة داخل قطاع المساعدات. فعلى سبيل المثال، وبحسب بيانات البنك الدولي، بلغ إجمالي المساعدات الإنمائية الرسمية 259.48 مليار دولار في العام 2023، مقارنة بـ151.71 مليار دولار في العام 2013، بينما كان نصيب الفرد منها 32 دولارا في العام 2023، بزيادة تدريجية بسيطة، قدرها 11 دولاراً فقط، على مدى عقدٍ كامل.
هذا التفاوت الملحوظ أدى إلى تصاعد دعوات المجتمع المدني لإحداث «ثورة محلية» في نظام المساعدات الدولية، وهي الدعوات التي تم تضمين بعض مقترحاتها بالفعل في نِسَخ اتفاق «الصفقة الكبرى» الثلاث، التي أقرّها كبار المانحين والوكالات الإنسانية بين عامي 2016 و2023، وتعهدت بتخصيص 25 % من التمويل العالمي للعمل الإنساني بصورة مباشرة للجهات المحليّة المستجيبة، فضلا عن تقليص حجم الإجراءات البيروقراطية، وتشجيع إقامة المزيد من الشراكات المُتساوية، وتحسين القدرات المؤسسية الطويلة الأجل للجهات المحلية الفاعلة. مع ذلك، تؤكد تقديرات منظمة «مبادرات التنمية» أن تنفيذ تلك الأهداف ما زال بطيئا للغاية، مشيرة إلى العديد من المخاطر المتصورة ونقص القدرات كعوائق رئيسة أمام الوصول إلى المستوى الموعود.
يُمكن لمبادرة «الأمم المتحدة 80» أن تكون محفّزاً لهذا التغيير إذا ما اعتُبر المجتمع المدني شريكا إستراتيجيا. لكن ذلك يتطلب ليس العمل من أجل زيادة نسبة التمويل المباشر للجهات المحلية الفاعلة فقط، بل أيضاً إجراء إصلاحات هيكلية حقيقية تُمكِّن تلك الجهات من المشاركة في وضْعِ الأجندات، والرصد، والتقييم. لهذا، يجب العمل على استحداث آليات أكثر شفافية ومساءلة، تَضمن عدم تسييس المساعدات أو ضياعها في متاهات البيروقراطية الأمميّة.
ختاما، قد تُمثِّل هذه المُبادَرة فرصةً تاريخية لإعادة تخيُّل عمليات حوكمة جهود التنمية العالمية. لكنْ يظلّ نجاحها مرهوناً بالقدرة على التوفيق بين الطموح والشمول. ففي عالَمٍ يُواجِه أزماتٍ متعدّدة، لم تكُن الحاجة إلى أنظمة مساعدات مَرِنة، ومُستجيبة، وقائمة على الحقوق أكثر إلحاحاً ممّا هي عليه اليوم، ويجب أن يكون المجتمع المدني في قلب هذه الرؤية، لا كمُشارِكٍ يُستشار ويُنفِّذ فقط، بل كمُشارِكٍ رئيس في صنْع القرار. فمع دخول الأمم المتحدة عامها الثمانين عليها أن تختار بين إصلاح تكنوقراطي من أعلى، أو تحوُّلٍ تشاركيّ من أسفل قائم على العدالة والمُساواة.
* كاتب وباحث سياسي من مصر
* ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي