توهمت أن الأمر قد قضي، وأن هذه طبيعة الأشياء، فإيماني أن انطلاق الروحِ في ملكوت الله تحرر من قيود الجسد الواهن، وتتابعت الأيام رتيبة، ثم استحضرت الذاكرة طيوف أبي من وراء سحب النسيان، تجلوه في صورته الرائعة الـتي رافقتنـي منذ فجر حياتي.
ومضت أربعون يومًا، ما غِبتُها عن أبي من قبل ولا غابها عنـي، وتداعت الذكريات، ونما الأسف، والشعور بفقد صاحب الهمة العالية، والصوت الحاني، والشيمة الرفيعة، والحكمة البالغة، والبصيرة النافذة، والتدين السمح، الصبور في مواطن البلاء، الحليم في مواقف الغضب.
أبي الذي عاملنا منذ الصغر برفق، وعشنا في ظله نملك الاختيار في كل شؤون حياتنا، حـتى اختيار أن نغدو إلى المدرسة أو نغيب؛ فلا يزيد على تعداد ثمرات المثابرة، ومغبات الغياب.. أبي الذي بقي يحنو علينا وكأننا لم نكبُـر، فكان يرغب في السفر معي لمحاضرة، أو لقاء أدبي؛ حتـى لا أكون وحيدًا، ثم يثنيه عن ذلك مخافة أن يَشُقَّ عليَّ برفقته، أو أن أتكلف تذكرة سفره.
أبي الذي يتنازل عن بعض حقوقه استرضاءً لأقاربه، وتجاوزًا للخلاف، ثم يترضَّانا قائلاً: «ما تركت لله، سيبدلني الله خيـرًا منه»، ثم يقول كلمته الـتي حفظناها؛ لطول ما رددها: «إن الله يُصانع فيَّ»؛ أي: إن الله يدبر الأمور فتكون خيـرًا لي؛ دون تدبير مني.
أبي الذي كان بيته مفتوحًا للضيوف في حضوره وغيابه، مبذولًا فيه الخيـر لكل طارقٍ، أو غريبٍ، أو عابر سبيل، وما كان يذخر عنَّا شيئًا، في بيت مستنير بنوره، متسع بسماحته؛ وما هنالك إلا دخل قليل ولكنه مُـــبارك.
أبي الذي ما كان يأسى لفوات شيء من متاع الدنيا؛ وما قيمة للمال عنده إلا بقدرِ ما يحقق من المكارم، ويقضي من الحوائج، ويسبغ من الستر؛ وكانت مقولته دائمًا: «خيـرُ المال ما سَدَّ الفِجَر»؛ أي ما أُديت به الواجبات، أو قضى شيئًا من حوائج صاحبه، وليس ما ادَّخره.
أبي الذي سعى لفتح الطريق إلى قريتنا والقرى المجاورة، برغم معارضة أكثـر الأهالي، وضحى في سبيل ذلك بالجهد والمال، وسعى في إيصال الكهرباء، والسقيا إلى قريتنا، وسعى لتجديد بناء مسجدها وتوسيعه علـى طراز حديث، وضحى بإحدى مزارعه لإقامة برج للاتصالات دون مقابل، وما كنت لأحصي أياديه ومبادراته في خدمة الناس، حتـى إن بعضهم ليظنون أنه يجـني من وراء ذلك مصالح خاصة، وما ألومهم فقد شق عليهم أن يكون هذا العطاء الكثير بلا ثمنٍ.
أبي الذي عَلَّم القرآن، في ثلاث معلامات، فلما افتُتحَت المدارس الحكومية أودع أبناءه لدى أصدقائه، في بلدات بعيدة ليلتحقوا بالمدارس، وسَعى في سبيلِ افتتاحِ مدارسَ للبنات، وبذل جهدًا في إقناع الأهالي بضرورة تعليم بناتهم، ثم رافق أخواتي إلى حيث يتوافر معهد للمعلمات، وعانى مشقات التنقل والمواصلات حـتى تخرجن، وأصبحن أول ثلاث معلمات سعوديات في مدرستهن الأولى.
أبي الذي غادر بيته وقريته، وكلَّف من يقيم مسجده؛ ليرافق أُمي في رحلة علاجها، الـتي استمرت ثمانية أشهر؛ من مدينة إلى مدينة، ومن مَشفى إلى مَشفى، حتـى لحقت بجوار ربها، وكان يعتذر إلينا، فيقول: «أعلم أن مرافقـتي لكم في الأسفار تزيد الأعباء عليكم، ولكنني أجدُ في مرافقتها تسليةً لها، وطمأنينة لي».
أبي الذي تخلى عن بيته وقريته التي قضى فيها عمره المديد ليسكن في المدينةِ قريبًا من بنيه وبناته، وقال لمن عاتبه على ذلك من جماعته: «أكره أن أشق عليهم، أو أجُرَّ عليهم العقوق»، ثم عانى المرض سنوات طويلة صابرًا حامدًا مُعينًا لنا على بره، وربما شقَّ على نفسه حتـى لا يَشُق علينا، وربما أخفى ألـمه حـتى لا يؤلمنا، وقد بلغ من رفقه بنا أنا قال لي مرة: «لقد استبطأت الموت ولكني أكره أن تجزَعوا».
أطياف يجلوها الغياب، وتستدعيها الذاكرة، فيحاصرني الفقد، وتزدحم الذاكرة بجميل الصور، وكريم الشِّيم، وناصع المواقف.
وعزاؤنا رحمة الله لمن كان بنا رحيمًا، وإحسانُ الله لمن كان في شأنه كله مُحسنًا، وكَرَم الله لمن كان في دنياه كريمًا، ولطف الله بمن كان لطيفًا بالأيتام والغرباء والمساكين، عطوفًا عليهم.