استضافت ثلوثية الدكتور محمد المشوح، المهندس عبد المحسن بن محمد الزكري، في محاضرة علمية وسط حضور نوعي من المثقفين والأكاديميين. استعرض الزكري محطات مهمة من حياته العلمية والعملية، وتجارب مؤثرة.

جاءت المحاضرة شاملة ومثرية، وبأسلوب شيق ولغة موضوعية، وطرح عميق، وتركت تأثيرًا إنسانيًا وفكريًا.

مزج المهندس الزكري في محاضرته بين التحليل الموضوعي، والعرض المبسط، وغطت زوايا متعددة من حياته بشكل متوازن، تداخلت مع مختلف المجالات الاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية، والثقافية، والإنسانية.


مر المهندس عبد المحسن الزكري، في رحلته الطويلة، بسلسلة من التجارب والتحولات في صعوده الاقتصادي والحضاري، فقد كان منذ وقت مبكر مركزًا فكره على خطه الاقتصادي، وكان في كل محاولاته وتجاربه يصنع تاريخًا جديدًا.

ففي البداية، تركز تفكيره على دراسة العمارة في كلية الهندسة، ومن ثم انطلق منها في خيارات متعددة، وبعد تجارب اكتسب خبرات من وراء دراسة العمارة وبعض التداخلات التجارية، تحرك وراء الفرص الاستثمارية.

كان ذلك في أواخر السبعينيات، فقد كانت حصافته وبعد نظره يخبرانه بأن ارتفاع عائدات النفط، الذي حدث في السبعينيات، سوف يلعب دورًا منعشًا للاقتصاد.

مع إطلالة الثمانينيات، تكونت لديه أفكار وطموحات انتقلت به من الموهبة الفطرية والنهج العصامي إلى العمق المعرفي والنجاحات النوعية، ومع الوقت تبلورت وتشكلت خبراته وتجاربه الواسعة، حتى ظهر إلى العلن كأحد كبار المستثمرين والمطورين، والتي أدخلته في سلسلة من استراتيجيات الاستثمار والتطوير، حيث شارك بفعالية في وضع اللبنات الأساسية لهما، ومع التسعينيات استكمل حلقات التطوير، وأحدث تحولات ونقلات نوعية في المؤسسات والمنظومات الاقتصادية، محاولًا أن يضيف أفكارًا جديدة، ونظريات وتقنيات حديثة في القطاع الاقتصادي. ولم تتوقف أفكاره عند نظريات التطوير، فقد سعى إلى تأصيل منهجية الشراكات الاقتصادية.

فعندما نتتبع دوره الاقتصادي، نجده متصلًا بالتطوير والشراكات الاقتصادية، والتي جاءت متزامنة مع حركة التطوير التي بدأت إطلالتها مع بداية عقد الثمانينيات، والتي أحدثت تبدلًا نوعيًا في الحياة الاقتصادية. لذلك فعندما نقف على تفاصيل التجارب التي خاضها، تأتي تجربة الشراكات الاقتصادية على رأس تلك التجارب، والتي شكلت منعطفًا ونقطة تحول في حياته الاقتصادية.

فقد كان من أكبر المناصرين للشراكات ما بين القطاع العام والقطاع الخاص، والتي تقوم على توظيف رأس مال القطاع الخاص وتجاربه وابتكاراته وخبراته وتقنياته في إدارة وتشغيل مشاريع القطاع العام، من أجل تحقيق تطور ونمو وتقدم اقتصادي وحضاري مستدام، مؤسس على التمويل والكفاءة والمعرفة والخبرة والتقنيات الحديثة، والمتمثلة في تمويل وإنشاء وتجهيز وتنفيذ مشروعات لم تكن موجودة من قبل، أو تمويل وتطوير مشاريع قائمة، أو تمويل وبناء وإدارة وتشغيل كيانات ومشروعات للقطاع العام.

كانت تلك الأفكار نتاج دراساته في حقل الهندسة المعمارية، ودخوله مجالات التطوير والاستثمار من أوسع أبوابه، فقد كان، من خلال دراساته وتجاربه، على معرفة دقيقة وشاملة بثقافة التطوير وتقنياتها ومنطلقاتها، وبأساليب المدينة الحديثة، والآن أصبح ذا خبرة في هذه الحقول، فقد مكنته كفاءته من الدخول إلى القطاع العريض، قطاع التطوير، من مدخل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وعلى مختلف الحقول الاقتصادية، والذي استهله بتنفيذ مشاريع البنية التحتية للهيئة الملكية للجبيل وينبع، والمنطقة المركزية بالمدينة المنورة، وقطاع التعليم من خلال تمويل وإنشاء المدارس العامة، وقطاع الصناعة، من واقع تطوير المدن الصناعية في المدن الكبرى والمتوسطة، وقطاع البيوتات المالية والمؤسسات المصرفية، في تشييد مقرات البنوك الرئيسية. ومن خلال الشراكات الاقتصادية مع بعض البيوت التجارية ورجال الأعمال، في إنشاء وتشييد المولات التجارية والفنادق والمستشفيات والمنتجعات والأبراج السكنية والمكتبية، والتي شكلت النواة الأساسية لمنظومات الشراكات، وكانت حجر الزاوية في بداية تشكل اقتصادي حديث يقوم على الشراكات.

فعندما دعا إلى فكرة تجسير الشراكات المستدامة بين القطاع العام والقطاع الخاص، لم يكن ذلك لأنه مهندس معماري فحسب، بل لأنه مفكر ومطور ومستثمر. فعندما نقرؤه نظريًا ونقف على واقعه العملي، تبدو لنا صورة التطوير الشامل بوضوحها الكامل، والتي أسسها على فكرة الشراكات، وجعل منها فكرة المستقبل.

فقد حاول ترسيخ ثقافة الشراكات نظريًا، سواء من خلال المحاضرات التي كان يعرض فيها تجربة شركة الرياض للتعمير، أو تجربة شراكاته مع القطاع العام، فيما يعرف ببرنامج المشاركات مع القطاع العام.

فقد كان يرى أن التقدم والتطوير الشامل الذي حدث في العالم الحديث جاء من واقع العلاقة التعاقدية الطويلة الأجل بين القطاع العام والقطاع الخاص، حيث كان يرى أن مبدأ الشراكات هو الفكرة المثالية للتطور الاقتصادي المستدام.