انتقل الهابيتوس الصحوي إلى اللغة فصنع «فوبيا المفردات»، مما خلق كوميديا سوداء، تراها في الناس متجهةً لبنك واحد بكثافة يختلف عن البنوك الأخرى، والسبب أن هذا البنك عرف هيمنة الهابيتوس الصحوي على عقول الناس، فاستخدم كلمة «مصرف» في تعريف نفسه بدلاً من كلمة «بنك».

بلغت «فوبيا المفردات» حتى الخطابات الرسمية التي استخدمت عبارة «المدعو/فلان الفلاني صاحب السجل المدني رقم...» بدلاً من «المواطن/فلان الفلاني حامل الهوية الوطنية رقم...» لما في عبارة «الهوية الوطنية» من محاذير تُرى منافسة لـ«الهوية الإسلامية» داخل الهابيتوس الصحوي.

ومنها الصراع على أوراق هذه الجريدة بين مؤيد لعبارة «الدولة المدنية» ومعارض لها، بل وصلت محظورات الهابيتوس الصحوي إلى كلمة «قانون»، واستبدالها بكلمة «نظام»، رغم ما قامت به مجلة «العدل» من طرح بحث في أحد أعدادها يخرج كلمة «قانون» من دائرة المحظور، ويورد استخداماتها عند علماء أصول الفقه الأوائل.


كل هذا لم يغير من الهابيتوس الصحوي شيئاً، وبقيت آثاره في الإنتاج الأدبي، فقد قرأت رواية أديبنا كريم الشمائل: إبراهيم مضواح الألمعي «فراغ مكتظ»، وهي رواية جميلة وعنوانها معبر وعميق، تفاصيلها ممتدة بذكاء وخفة ظل، استمتعت بقراءتها في جلسة واحدة، لكن عيبها الوحيد إنشغالها المكشوف بالتموضع في الوسط بين الصحوة وخصومها، رغم أن فضيلة «الوسط» لم نلاحظها على كثير من تيار «الأدب الإسلامي» إبان عز الخطاب الصحوي، بل كان بعضهم –ليس أديبنا إبراهيم مضواح منهم- يستمتع بتطاول سفهائهم على مثقفين كبار، يرون فيما يسمى «الأدب الإسلامي» مجرد أدلجة سياسية للأدب باسم الدين، كما هي الأدلجة الماركسية الستالينية للأدب والعلوم، والتي أدت -ضمن أسباب أخرى- إلى انحطاط التجربة السوفيتية وتفككها، وأنتجت فيما أنتجت حقيقة الديستوبيا الحداثية الشمولية في رواية (1984).

وأنا أحب النقد الذاتي وأحترمه، لكني أكره إعادة الموضع، حتى ولو صدرت من الغذامي نفسه في مقاله القديم «الليبرالية الموشومة»، فهل نساوي بين موقف طه حسين من محمود شاكر بموقف الصحوة في مصر من فرج فودة بعد مناظرته لمحمد الغزالي ومحمد عمارة ومأمون الهضيبي في الدولة الدينية والمدنية، وآل الأمر فيها إلى مقتل فودة في الشارع، بتفاصيل تؤكد فجاجة وسماجة الوسطية بين المخرز والعين، والسكين في رقبة نجيب محفوظ تشهد.

وقد انصرفت للمشهد المصري كي لا أقلب المواجع بمشهدنا الصحوي القديم الذي يحب البعض كنسه «تحت السجادة» بدلاً من أرشفة ما يحفظ الذاكرة متوقدة للأجيال القادمة والباقي إلى «مزبلة التاريخ».

أحترم المراجعات النقدية للذات، لكن «الوسط» بين المخرز والعين.. بين الصحوة والحداثة وسطٌ صنعته الصحوة وخاطته على مقاسها، فالوسط لا يصح بين من يحيل الدين إلى أيديولوجيا تعادي العالم، حتى عجز بعضنا عن الترحم على طلال مداح -رحمه الله- وبين من يكشف هذه الأيديولوجيا التي لا تجد حرجاً في الترحم على عبدالعزيز المقرن؟!!.

الحداثة تعري الخرافة، ولهذا أمضى مرزوق بن تنباك بعض عمره في نضال نراه اليوم عابراً أو عادياً، لكنه كان جزءاً من «كعب أخيل الصحوة»، حين وسعت مفهوم «السحر وتلبس الجن» إلى درجة أعفت صحوياً مرتشياً برتبة قاض من عقوبة الرشوة بحجة أنه مسحور، فلما تعافينا من «دجل الصحوة» حوسب وعوقب.

ما قبل الهابيتوس الصحوي كانت الناس في جزيرة العرب تعيش التكافل الاجتماعي بكل ما فيه من مروءة ونخوة وشهامة، فلم تكن لهم فنادق إذا سافروا للمدن سوى منازل متواضعة من غرفة أو غرفتين وصالة ومطبخ لأبناء عشائرهم وقبائلهم يسكنوها في ضيافة الرجل وزوجته.

ومع إنشاء المستشفيات في المدن الكبيرة قبل هابيتوس الصحوة كان الناس يضعون مريضتهم عند ابن عمها البعيد وزوجته ليراجع بها حتى تتعافى من السل الرئوي، وتعود لأهلها بكامل عافيتها دون الحاجة لمحظورات الصحوة التي تشدد حتى على الأم أن لا تبالغ في زينتها «كي لا تظهر مفاتنها» أمام ابنها.

فالهابيتوس الصحوي لا يبني الأخلاق على أساس براءة الذمة وعدالة الأمة، بل يبنيها على التحوط المرضي إلى درجة حطمت الجدار الركين في السجية العربية الأصيلة وأقصد بها «نخوة العرب وشهامتهم ومروءتهم» التي قرأناها عند حمزة شحاته (1908 - 1972) في «الرجولة عماد الخلق الفاضل» ولمسنا بعض مظاهرها في أشعارهم الشعبية قبل الهابيتوس الصحوي.

ومنها مثلاً قصيدة الماجد النبيل يقول فيها: «وان شلتها يا حسين تر ما بها شين... ترى الخوي يا حسين مثل الأمانة... ما يستشك يا حسين كود الرديين.. والا ترى الطيب وسيع بطانة».

رحم الله شهامة العرب ونخوتهم ومروءتهم التي ذبحتها الصحوة في نفوس بعض العرب.

يكفي أن ندرك قوة البارادايم الذي صنعته الصحوة في الوجدان العمومي -حتى بين المثقفين- لتصبح كلمة «حداثي» وصمة سيئة حتى اليوم، فيحتاج الكاتب إلى تلاعب لفظي على الحبال ليفتعل فضيلة الوسط باعتباره تفكيراً حراً مستقلاً، والاستقلال الفكري الحر يحتاج شجاعة فكرية أمام الذات أولاً وثانياً وعاشراً قبل الشجاعة الفكرية أمام الآخر.

فالشجاعة الفكرية أمام الذات استقلال موضوعي عن الذاتية ومغانمها، تبدأ من «اعرف نفسك» إمّا بطريقة الإمام الغزالي (ت 1111م) أو بطريقة ديكارت (1650م)، فكل طرق المخلصين في سبيل العلم تؤدي إلى الله.

أما الشجاعة الفكرية أمام الغير فلا تحتاج سوى مذاكرة الكتب والصفق بالحديث في أسواق الثقافة لتحصد مكاسبك من الشعبوية -إلا من رحم ربي– وقليل ما هم.

وأخيراً، أعبر عن تعاطفي المشوب بعتب المحب لمن يعيشون «وسطية العاجز الضعيف»، الذي يضع نفسه بين شابةٍ تريده للمستقبل وعجوز تريده للماضي، حيث تنتف إحداهن الشعر الأبيض كي يظهر شاباً مثلها، وتنتف الأخرى الشعر الأسود كي يظهر عجوزاً مثلها، ثم يصرخ: «ضاعت لحانا بين حانا ومانا».