يقصد مكة المكرمة في كل عام مئات الآلاف، بل ملايين الحجاج القادمين من مختلف أنحاء العالم لأداء مناسك الحج، فتتهيأ المدينة المقدسة لاستقبالهم عبر منظومة متكاملة من الخدمات والإمكانات، فيما يشارك المجتمع المكي بمختلف فئاته في خدمة ضيوف الرحمن. ويعيد هذا التقرير مشاهد من ذاكرة الحج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة قبل أكثر من خمسين عاما، لإبراز حجم التطور التقني والخدمي الذي شهدته منظومة الحج في ظل الدولة السعودية.



قدوم موسم الحج


يقول الباحث في التاريخ الدكتور عبدالله العبّادي، إن أهل مكة في تلك الأيام كانوا يستشعرون إحساس قدوم موسم الحج حين يشاهدون طائرات الهليكوبتر تحلّق في سماء مكة المكرمة، وتتردد التلبية عبر أثير الإذاعة السعودية بصوت الحجاج: «لبيك اللهم لبيك»، فتزدان الشوارع الرئيسة بزينة المصابيح، وتضع أغلب الدكاكين بسطاتها في واجهاتها، ويتردد صوت القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد من مكبرات تلك المحلات. ويضيف العبّادي أن أهل مكة كانوا يدركون حينها أنهم دخلوا فيما يُسمى بـ«الثمان» قبيل يوم الوقفة.



استعدادات المطوفين


يذكر محمد زكي دمنهوري، أحد أبناء المطوفين أن الاستعداد والتجهيز لموسم الحج كان يبدأ بعد أيام عيد الفطر مباشرة، حيث تُنصب «المراكيز»، وهي كراسي من الخشب تُفرش بالسجاد والمساند، عند مدخل بيت المطوف للاستقبال، ويلتف حولها العاملون من الصبيان ومعهم «المُقدم»، وهم في العادة من العاملين سنويا عند المطوف نفسه. كما كانت الدار تُخلى للحجاج القادمين، وتنتقل الأسرة إلى المبيتات في السطح.

ويوضح أن الحج في تلك الأيام كان «بالسؤال»، إذ يُسأل الحاج عند وصوله عن مطوفه، فيختار أحد مطوفي الفئة نفسها. وينقل عن أحد المطوفين قوله إنهم كانوا ينزلون إلى جدة لملاقاة الحجاج مع وكيلهم هناك، ويقدمون لهم ضيافة الأكل والشرب طوال مدة مكوثهم في مدينة حجاج البحر حتى يتحركوا إلى مكة المكرمة. وفور وصولهم تُقدم لهم «ضيافة القدوم»، وهي وجبة غداء أو عشاء تُعدّها نساء الأسرة، ثم يُخير الحاج بين الإقامة عند المطوف أو في دور أخرى يستأجرها مسؤولو الحملات.

وبين أن المطوفين كانوا يقومون بكل احتياجات الحاج، من التصعيد إلى المشاعر المقدسة وحتى زيارة المدينة المنورة، مستشهدا بقول الأمير شكيب أرسلان في رحلته المعنونة بـ«الرحلة الحجازية 1350هـ»: «هذا والمطوف هو الذي يكفل جميع حاجات الحاج وأغراضه منذ يطأ رصيف جدة إلى أن يطأ سلم الباخرة قافلا».



أماكن سكن الحجاج


في الحديث عن أماكن سكن الحجاج، يشير الدكتور سمير برقة أحد المطوفين إلى أن الحجاج كانوا يحرصون على السكن جوار المسجد الحرام، فكان بعضهم ينزلون في الأربطة الموقوفة عليهم، فيما اعتاد بعضهم الآخر سكن حارات بعينها. ويوضح أن حجاج جنوب شرق آسيا كانوا ينزلون في القشاشية وسوق الليل وشعب علي، بينما كان حجاج جنوب آسيا ينزلون في أجياد وبداية المسفلة، أما حجاج إفريقيا فكانوا ينزلون في المسفلة والحفائر والبعض في الشامية، في حين كان أغلب حجاج الخليج ينزلون في شعب عامر شرقي المسجد الحرام، أما حجاج إيران فكانوا ينزلون في عمارات بأحياء متعددة كالمعابدة والششة.

ومن الطريف أن حجاج مصر كانوا لا ينزلون دورا في أماكن عالية، أي في الطلعات في الجبال المجاورة للمسجد الحرام، فكان سكناهم غالبا في حارة الباب والشبيكة. ويضيف أن حجاج الداخل من الرياض كانوا ينزلون في حارة الشامية، بل إن بعض الأسر النجدية كانت لها أملاك في تلك الحارات وكانوا ينزلون فيها. وتشير بعض المراجع إلى أن الإمام عبدالرحمن الفيصل والد الملك المؤسس - رحمهما الله - كان قد نزل في الشامية حال حجه في بيت القطان، وكانت منطقة العدل بمساحاتها المفتوحة آنذاك والمعيصم مقصد الحجاج الفرادى من نجد وما حولها.

ويشير العبّادي إلى أن حجاج الأحساء كانوا ينزلون حول برحة الرشيدي ودحلة الجن شرق المسجد الحرام، وكانوا يختارون بيوتا ذات أحواش للطبخ، إذ كان لطبخهم بالرز الحساوي رائحة نفاذة تملأ المكان. ويؤكد أن هذه نبذة عن أماكن نزول الحجاج، لكنها ليست بالقطع، إذ قد ينزل حجاج كل بلد إلى جوار بعضهم في حارة واحدة.



عادات أهل مكة


يتطرق برقة إلى بعض العادات المصاحبة لموسم الحج في ذلك الزمن، موضحا أن الأسر المكية كانت تستعد بصنع ما يُسمى بـ«المعمول» و«الغريبة» و«الشابورة»، وتُخرجها في صوانٍ للأفران، ثم تحفظها في «تنك» لتكون مؤونة لأهل البيت العاملين، وتصبيرة وسدّ جوع، كما كان للحجاج نصيبهم منها.

«الخليف».

عادة نسائية مميزة

يلفت العبّادي إلى أن الرجال والشباب كانوا جميعا ينخرطون في أعمال عدة في خدمة حجاج بيت الله الحرام، سواء في الطوافة أو المباسط بأنواعها، حتى إذا حان وقت الصعود إلى عرفات لم يبقَ أحد من الرجال في الحارات، وتُسمى تلك الأيام «فترة الخليف». ويذكر الباحث أن البعض يرى أن اللفظة جاءت من كلمة «مخلف» وتعني الرجل الذي لم يُكتب له الوقوف بعرفة، وهنا كانت النساء يجتمعن في كل حارة للاحتفال بـ«الخليف» حفظا للبيوت وأنسا بالاجتماع ببعضهن.

ويستشهد العبّادي بما ذكره الخطيب في كتابه «كيف كنا» حيث يقول: «تخلفت عن الحج في أحد الأعوام فلزمت داري، وليلة الوقفة توجهت للمسجد الحرام، وبينما أنا في الطريق إذ بأصوات آتية من بعيد، وهالني ما رأيت: شاب متلثم يرتدي لباسا عربيا ومتشحا بخنجره، وأحدهم على رأسه عمامة كبيرة كما يلبسها شيوخ الحارات، وبيده عصا غليظة... لقد وقفت مشدوها حين سمعت هذه الأغنية من هذا الجمع الغفير»:

يا قيس يا قيس يا دقن التيس

الناس حجوا وأنت قاعد ليش

ويُكمل الخطيب في روايته: «فأدركت أني المقصود بالذات... وكم كانت دهشتي عظيمة حين عرفت أنهن نساء يحتفلن بالخليف كما جرت العادة... وتذكرت قول العجوز: هذا يا ولدي الخليف يحصل كل عام، ربنا سترك ما ضربوك».



عصر يوم عرفة


يختتم الباحث الدكتور عبدالله العبّادي حديثه بالإشارة إلى مشهد عصر يوم عرفة، حيث كان النساء يخرجن إلى المسجد الحرام لصلاتي المغرب والعشاء حتى لا يبقى - كما قيل - خاليا، فلا يُرى فيه إلا النساء والأطفال، تمتلئ بهم الطرق والأسواق المؤدية إلى المسجد الحرام، خاصة سوق «المُدعى»، إذ كنّ يرتدنه في طريق العودة من الحرم لشراء الهدايا والألعاب للأطفال.

* باحث في التاريخ