مع اقتراب فصل الصيف في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، تعود إلى الظهور واحدة من أكثر الظواهر الجوية إثارة وغموضا، وهي «غيوم الليل المضيئة»، التي تبدو كأشرطة زرقاء متوهجة تزين السماء بعد غروب الشمس فوق المناطق القطبية وخطوط العرض العليا.

وأوضح رئيس الجمعية الفلكية بجدة المهندس ماجد أبو زاهرة أن هذه الغيوم تتشكل على ارتفاعات شاهقة عند حافة الفضاء، عندما تنخفض درجات الحرارة في الطبقات العليا من الغلاف الجوي إلى مستويات تسمح بتكوّن بلورات جليدية دقيقة حول جسيمات مجهرية ناتجة عن احتراق الشهب والنيازك أثناء دخولها الغلاف الجوي للأرض.

وأشار إلى أن الدراسات العلمية الحديثة كشفت أن جزءا من مكونات هذه البلورات الجليدية يعود إلى ما يُعرف بـ«دخان الشهب»، حيث تُشكّل هذه الجسيمات الدقيقة نواة تتجمع حولها بلورات الجليد. ويُقدَّر أن نحو 3% من كل بلورة جليدية في هذه الغيوم مصدرها المواد المتخلفة عن احتراق الشهب، والتي تبقى عالقة على ارتفاعات تتراوح بين 60 و100 كيلومتر فوق سطح الأرض.


وبيّن أن اللون الأزرق المميز لهذه الغيوم يعود إلى صغر حجم بلورات الجليد، إذ تعمل على بعثرة الأطوال الموجية القصيرة للضوء الأزرق بكفاءة أكبر من الضوء الأحمر، ما يمنحها مظهرها المتوهج الفريد عند مشاهدتها من سطح الأرض.

وأضاف أن هذه الظاهرة رُصدت منذ القرن التاسع عشر في المناطق القطبية، إلا أن نطاق ظهورها بدأ يتوسع خلال العقود الأخيرة نحو خطوط عرض أقل، بما في ذلك بعض مناطق جنوب أوروبا وحوض البحر المتوسط، وهو ما دفع العلماء إلى دراسة العلاقة المحتملة بين هذا التوسع والتغيرات المناخية العالمية.

ولفت إلى أن غاز الميثان يُعد أحد العوامل المرشحة لتفسير هذا التغير، إذ يتحول في الطبقات العليا من الغلاف الجوي عبر تفاعلات كيميائية معقدة إلى بخار ماء إضافي يسهم في تهيئة الظروف المناسبة لتكوّن بلورات الجليد المكونة لهذه الغيوم. وإذا ثبتت هذه الفرضية، فقد تمثل غيوم الليل المضيئة مؤشرا مهما لفهم التغيرات الجارية في الغلاف الجوي للأرض.

كما أظهرت الدراسات أن هذه الغيوم قد تزداد كثافة ووضوحا خلال فترات الحد الأدنى للنشاط الشمسي، نتيجة انخفاض درجات الحرارة في طبقات الغلاف الجوي العليا، ما يعزز تكوّن البلورات الجليدية حول جسيمات دخان الشهب.

وأكد أبو زاهرة أن فرصة رصد غيوم الليل المضيئة في المملكة العربية السعودية تبقى ضعيفة للغاية بسبب بعدها الجغرافي عن المناطق القطبية، موضحا أن أي سحب مضيئة تُشاهد ليلا في سماء المملكة غالبا ما تكون سحبا مرتفعة تعكس ضوء الشمس بعد الغروب أو ظواهر جوية أخرى، وليست غيوم الليل المضيئة الحقيقية.

واختتم حديثه بالإشارة إلى أن هذه الظاهرة، رغم التقدم العلمي في فهمها، لا تزال تحمل الكثير من الأسرار، إلا أن المؤكد علميا هو الدور المحوري الذي يؤديه دخان الشهب القادم من الفضاء في نشأتها، بينما يواصل العلماء أبحاثهم لفهم أسباب تزايد سطوعها واتساع نطاق ظهورها في السنوات الأخيرة.