الأمر خطير من عدة زوايا: أنثروبولوجية، واجتماعية، وثقافية، وصحية، واقتصادية، وغيرها، فالخوارزميات تعطيك على جوك - كما نقول بأسلوبنا العامي - فتعرض أمامك ما تريده أنت وما يشبع رغباتك واهتماماتك ودوافعك وقناعاتك، وتخفي وتحجب عنك وتبعدك عن وجهات النظر الأخرى، أو الأشياء التي لا تريدها.. وبالتالي تسهم الخوارزميات – من هذا الجانب - في تكريس التعصب والانقسام والخلاف، وتجعل المرء يصر على ما قد يكون خاطئاً، لشعوره الذي قد يكون زائفاً بأن الحقيقة والصواب والمطلوب والمفضل والجميل والنافع، هو ما تعرضه أمامه.
ويقف خلف الخوارزميات بشر يبرمجونها ويشرفون عليها، ولهؤلاء كغيرهم من الناس أهداف ودوافع، فقد يسهمون –وإن لم يشعروا- بتعزيز ما يقنعهم وما يميلون إليه، من خلال تغذية خوارزمياتهم ببيانات ومعلومات وآليات توافق ما يتحيزون له ويريدونه.
وتنشر هذه الخوارزميات المحتويات الأكثر صدامية وإثارة للناس والجدل؛ فمن أهدافها –أو أهداف رعاتها- تحقيق المشاهدات الأعلى، وصنع الظواهر و"الترندات"، وهذا يسهم بقوة في رواج المعلومات والأخبار والمواد السيئة أو الزائفة أو الضارة، أو الإشاعات المضللة، بسرعة هائلة، فتنتشر أمور ليس لأنها الأكثر أهمية أو قيمة، وإنما لأنها تسير تحت ضغط الخوارزميات ومن يقف خلفها.
لقد جعلت الخوارزميات والمتاجرون بها بعض الأمور العجيبة والتافهة والمثيرة والمصادمة محتويات سريعة الانتشار كالبارود سريع الاشتعال، لتحقيق أهداف ومكاسب تزيد كلما طال الوقت الذي يقضيه الناس وهم يتفاعلون معها، وهذا أسهم في العزلة والتفكك الاجتماعي والأسري، وأدى إلى حالة من تشوه الهوية، إضافة إلى تشتت الانتباه المعرفي وضعف التركيز والإدمان الرقمي، وغيرها من السلبيات.
وأصبح لخوارزميات الشبكة العنكبوتية دور كبير في توجيه الرأي العام لاتجاهات لم يكن ليتجه إليها دونها، من خلال تضخيم الأحداث والأشياء، حيث تعلي الخوارزميات شأن قضايا تافهة سطحية أو سلوكيات هابطة أحياناً، بإبرازها لأعداد ضخمة من الناس في وقت واحد، مما يوحي بكثرة المؤيدين أو المتفاعلين أو المقتنعين أو الراغبين أو القائمين بأمر ما أو بموضوع ما، وهذا يجعل الفرد يعتقد أحيانًا أن كل أو غالب الناس منشغلون بهذا الحدث أو الأمر، ويجبر المجتمع على الاهتمام الكبير بأمور ومسائل وأشياء لم تكن من اهتمامات غالب أفراده، ويصبح الناس – بما فيهم النخب - يناقشون بشكل مفرط أحياناً هذه الظواهر المصطنعة بلا مبرر منطقي ولا فائدة تذكر.
ولا شك أن فرض ذلك على الناس باستمرار يجعل كثيرين يتبنون قناعات اجتماعية واستهلاكية وفكرية، قد تكون خاطئة أو ضارة، أو يمارسون سلوكيات لم تكن سائدة بينهم.. كما أحدثت أمواج الظواهر الخادعة التي صنعتها الخوارزميات حالات من عدم القناعة وعدم الاستقرار لكثير من الناس في حياتهم، وحالات من الهلع والخوف، الناتجين عن شعور الناس بأن هناك تفاعلاً ضخمًا مع أمور وتصرفات ومواضيع مقلقة ومخيفة، وهذا جعلهم يعيشون بين مطرقة القلق وسندان عدم الرضا عن حياتهم.
ورغم فوائد الخوارزميات في تسهيل الوصول للمعلومات مثلاً، فإن خطرها يكمن في قدرتها على جعل الرأي العام متشائمًا ومحبطاً، أو متفائلاً ومتحمسًا، بمجرد تعديل بسيط في نوعية المحتوى الذي يظهر على الشاشات، كما أنها مالت بالفكر المجتمعي نحو الضعف والهشاشة والسطحية، وأبعدته عن العمق والتحليل والمنطقية، وانتهكت خصوصياتنا بتطفلها على الكثير من معلوماتنا الخاصة، وقتلت شخصياتنا وإرادتنا الحرة، فهي توجه الكثيرين - خاصة البسطاء والعامة - إلى ماذا يشترون؟ وماذا يأكلون؟ وكيف يتعالجون؟ وماذا يلبسون؟ وماذا يعتقدون؟ وكيف يفكرون؟ وإلى أين يذهبون؟ وفي كل ذلك من الأخطار الصحية والمادية والثقافية والنفسية وغيرها الشيء الكثير.
إنني أقرع ناقوس الخطر، لعل صوته يصل إلى القادرين على دراسة الخطر ورصد أضراره الضخمة المحتملة القادمة، فكثير من الأفراد يحذرون ويكتبون ويخطبون في بيان خطر هذه الخوارزميات؛ ولكنها تبقى في الغالب جهودًا فردية أو ضعيفة أو متفرقة.
لذلك أطمح أن تسهم مقالتي في تحويلها من جهود مشتتة إلى منظومة متماسكة لحماية جماعية شاملة، وإلى دراسات جادة تنتج عنها تشريعات وقوانين ملزمة لشركات التقنية وغيرها، تمنع الخوارزميات من الترويج للأفكار السلبية، وتمنح المستخدمين خيار استخدام الإنترنت بحرية، بعيدًا عن التوجيه والفرض.
وأحث المسؤولين في التعليم على إدراج دروس لتكثيف الوعي الرقمي وما شابه، وأحث أيضًا رجال الأعمال على الاستثمار في بدائل أو حلول تقنية تحد من تلك الأخطار، ففرص الاستثمار في ذلك سانحة وواعدة، وهم أعرف بها مني.