إذا ما تتبعنا السيرة الذاتية لمدينة أبها لوجدنا أنها في بداية انتقالها من تجمع لقرى ــ أصبحت فيما بعد أحياء المدينة ــ إلى مدينة عصرية، كما هي اليوم، قد مرت بمراحل من الخطط التنموية المتعاقبة بدءا ببلدية المدينة تحت إشراف ما كان يسمى آنذاك بوكالة تخطيط المدن، ثم وزارة الشؤون البلدية والقروية، فأمانة منطقة عسير، وأخيرا هيئة تطوير منطقة عسير. وقد وضعت دراسات ومخططات إرشادية مفصلة من قبل عدة مكاتب استشارية دولية منها ــ على سبيل المثال لا الحصر ــ دراسات مكتب المعماري الشهير كنزو تانج، والسويدي سكان بلان، ومكتب البيئة في فترة لاحقة، وغيرها من المختصين من ضمن الفرق الاستشارية التي عملت تحت إشراف الجهات المعنية ووضعت مخططات تنفيذية لمنطقة أبها الحضرية (أبها وخميس مشيط وأحد رفيدة).

غير أن وضع المخططات وإجراء الدراسات شيء وتطبيقها على أرض الواقع شيء آخر. كانت المخططات الإرشادية لهذه المكاتب تؤكد على الجانب البيئي والطبوغرافي والاجتماعي أيضا للمدينة. على سبيل المثال لا الحصر، كان وادي أبها وفروعه يحظى باهتمام خاص في تلك الدراسات، وقد جعل مكتب البيئة من ساحة البحار سجادة مرصعة بألوان زاهية تذكر بفن القط العسيري. وكان قصر شدا والسوق الشعبي الملاصق له وبامتداده عناصر أساسية في نسيج المدينة. كانت تلك المخططات تحترم طبوغرافية المدينة ونمط التمدد العمراني فيها وأصالتها التاريخية الخاصة بالمدينة.

وكما هو الحال في معظم دول العالم فإن التخطيط الحضري وكثير من الدراسات والمخططات الإرشادية بمختلف مسمياتها دائما ما تصطدم بالواقع، وهو ما يجعل من التخطيط ممارسة، أكثر منه علما أو آلية مضمونة للتخطيط الحضري. ولأن التنمية الحضرية كانت أسرع من أي دراسة فقد خضعت مدينة أبها لنمط تخطيط آني حسب كل ما تقتضيه الاعتبارات التنموية المتغيرة باستمرار. ونتج عن ذلك بمرور الزمن تجاور هو بفعل تضاريس المدينة أقرب أن يكون عشوائيا منه إلى أن يكون مخططا بإحكام.


يتضح ذلك جليا عندما يقود السائق مركبته في شوارع أبها. هنا يستذكر المرء الأنسجة التقليدية للمدن الإسلامية التاريخية باتساع العالم الإسلامي، وهي هنا قد اصطبغت بتضاريس المدينة صعودا وهبوطا. في هذا السياق تمثل أبها حالة استثنائية من المدن العربية والإسلامية التي ما أن شبت عن الطوق حتى دخلت في طور الحداثة، وهنا فقدت أصالتها. أبها التي تغنى بها الشعراء وسار بها الركبان في ذكر محاسنها، وقبل ذلك ما كتبه الرحالة والجغرافيون عنها من جون فلبي، إلى فؤاد حمزة، أبها عاصمة السياحة في المملكة وأحد مواطن الجذب الثقافي، ومستضيفة لبعض فعاليات كأس العالم 2034، بحاجة ماسة إلى جهود مضنية لإعادة توجيه بوصلتها الحضرية نحو الاتجاه الصحيح.

يمكن تقسيم أبها إلى ثلاثة مناطق عمل رئيسية: الأولى جنوب المدينة وتتكون من: شفا أبها المطل على عقبة ضلع، جبل أبو خيال والمدينة العالية، وجبل ذرة. هذا مثلث سياحي من الدرجة الأولى ويحظى بالكثرة الكاثرة من الزوار على مدار العام، بل أصبح قبلة السياح في المدينة نظرا لإطلالته المزدوجة على تهامة من جهة، وعلى المدينة من جهة أخرى. المنطقة الثانية: شمال المدينة وتشمل قلعة شمسان، متنزه سما أبها، قلعة الدقل. قلعة شمسان بحاجة إلى عملية تنشيط اقتصادي سياحي لكي تعمل بفاعلية ونشاط. متنزه سما أبها هو البديل المكافئ لجبل أبو خيال وذرة، وبالرغم من أدائه الاقتصادي الفعال إلا أنه بحاجة إلى مزيد من التطوير. أما قلعة الدقل فهي إضافة جديدة لهذه السلسلة المتباعدة من نقاط الجذب شمال المدينة. عناصر هذا المثلث متباعدة، وهي بحاجة إلى ربط وظيفي واقتصادي وسياحي بينها. المنطقة الثالثة: وادي أبها وما يتصل به من أبها الجديدة غربا، وبحيرة السد، وشارع الفن، وما يرتبط به من مرافق سياحية، مثل قرية المفتاحة التشكيلية، ومسرح طلال مداح، وسوق الثلاثاء. وادي أبها بدءا من بحيرة السد غربا وصولا إلى أسفل مشيع شرقا بكل المناطق التي يمر بها (ومنها الكوبري الأثري وبسطة مقابل) هو بمثابة عقد ناظم لكل نقاط الجذب السياحي بالمدينة. إنه روح المدينة وقلبها النابض وتاريخها المتجدد.

تمثل هذه المناطق الثلاث عصب التنمية السياحية بالمدينة، وهي على أي حال معروفة للجميع. كل ما تحتاجه هو إعادة الانسجام لهذه المناطق الثلاث وفق نظام حضري محكم. هذا ما ستكون لنا معه وقفة في مقال قادم.