لم يكن سلمان ممن يُبطن نفاقًا، لكنّه حين كان سادنًا للنار المقدسة في أصفهان ولم يجد فيها الخلاص، ارتحل إلى بلاد الروم وقابل فيها راهبَ عمورية، وسأله عن دين النبي العربي وعن سدنة معبده، فقال له الراهبُ: إنه يجعل الأرضَ مسجدًا، ولا سدنة عنده، ويُكلمه اللهُ وهو على حصير بيته وفي فراشه. فقال سلمان: أيوجد دينٌ هكذا؟، وظنَّ أنَّ الراهب لا يفقه ما يقول، لهذا لما قُدِّر له السَّفر إلى الحجاز، ذهب ليرى نبي العرب، ولما رآه تعجّب من دينٍ بلا كهنوت ولا معمار، غير أنَّ عقله الساساني حين راقب طاعة الصحابة المطلقة لنبيهم أوَّل هذا الالتفاف العفوي تأويلًا فارسيا، فظن أنه يشهد بداية إعدادٍ لجماعة مخصوصة ستُحول الدينَ إلى صرح مشيد كصروح كل الأديان، ورأى أنَّ غياب السدنة ليس إلا تأجيلًا تقتضيه البدايات، لهذا لما أسلم سلمان ظلت صورة الدين الفارسي في مخيلته، وصار يكتب تأملاته عن الإسلام من هذا المنطلق، كأنه يُجيب عن سؤال: كيف سيكون الإسلام بعد وفاة النبي؟
أول تأملاته أنَّ الفرس إذا دانوا بدين فإنهم يؤمنون أنَّ من أهداف النبي إعداد جماعة مخصوصة تقود المجتمع بعد وفاة النبي؛ وذلك لضمان نمو الدين نموًا سليمًا. فهم سلمان من ذلك أنَّ الإسلام - بما أنه دين - سيكون بهذه الطريقة الفارسية، فصار يُراقب أفعال النبي، لكنه وجدها كفعل العرب تنبثق من الأفق ذاته للزمن والمستقبل؛ فالعربي يأنف من الهياكل المغلقة والمراتب الصارمة التي تحاول إحكام قبضتها على مآلات الأمور قبل وقوعها، ويبني بيتَه ومسجده بطين وجذوع نخلٍ عمرها لا يُخلَّد كما هو معمار الأمة الفارسية، ويرى المستقبل فضاءً مفتوحًا تنهض به خصالُ الرجال في عز المحن، وتنسجم مع ديناميكية جزيرة العرب التي تُخرج قادتها طبيعيا كما تخرج الأرضُ الماء، ومع ذلك أقنع سلمانُ نفسَه بأن ما رآه ما هو إلا قشرة، أما النواة الصلبة فلابد أن تظهر لاحقًا، فواصل كتابة تأملاته على أساسٍ فارسي، وكتبَ تحت الموضوع الأول شذرة شارحة مستعيرا مفهوم (القلب الكوني) من عقيدة الفرس التي ترى أنَّ مجيء النور إبادة للظلمة قائلا: «لا يُمكن لدينٍ إلا أن يكون انقلابيًا على كل ما سبقه، ولا يستمر هذا الانقلاب إلا بإعداد جماعة مخصوصة تُحافظ على النهج النبوي». ظلَّت فكرة الجماعة المخصوصة راسخة في عقلية سلمان حتى حين أيقن أنَّ النبي مات ولم يُجهّز الجماعة تجهيزا لا لبس فيه، فكتب: «إنَّ النبي لمَّا خطب بنا في الحج، قال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وهذا يعني أنَّ الموتَ لم يُفاجئه، فلماذا إذن لم يُجهِّز جماعة تقود الدين من بعده درءًا للخلاف الذي جرى بعد وفاته؟».
عاد سلمانُ إلى أسفار الفرس العرفانية، ووجد النبي (ماني) يقول في كتابه (شابُورقان): «إنَّ الأنبياء في تدبير مستقبل الدين لا يخرجون عن مسالك ثلاثة: الأول: أن يرفع النبيُ يدَه عن مستقبل الرسالة، ويتركها لطبائع البشر، وهذا محال في حقِّ نبي يدرك أنَّ الوحي نور ثابت، والزمن المادي ظلام متغير، ولا يُمكن ترك النور الثابت لتأكله فوضى الأيام دون حراسٍ يذودون عنه، والثاني أن يترك الأمر مُشاعًا فيُؤسس مجمعًا للشورى، يُعقد به مستقبل الدين على ما تُنتجه قرائح الجيل الذي تربّى على يديه، وهذا مسلك باطل في عرفنا؛ لأنَّ الكثرة - وإن صفت قرائحها - تظل مجبولة على الاختلاف، ولن تعصمها صحبتها للنبي من الفتن، والمسلك الأخير أن يصطفي لنفسه تلميذًا واحدا يُفرغ فيه سر حكمته، ويُعده إعدادا باطنيا وظاهريا ليقوم مقامه، فتتجسد فيه الوراثة الروحية والزعامة الدنيوية ولتكون له أمة من الناس يتّبعونه».
الطريق الأول استبعده سلمان دون تفكير طويل؛ والطريق الثاني ذكَّره بالآية (وأمرهم شورى بينهم)، ولكنَّه قال: لو كان النبيُّ قد ربط قيادةَ الإسلام بالشورى لكان من أوضح الأمور التي يتطلبها هذا الربط، أن يُجهِّز النبي الصحابةَ فكريًا وروحيًا لهياكلها وتفاصيلها، ويُعطيها صبغة دينية مقدسة، وما دام هذا الإعداد الفكري والروحي لم يتم، فإن هذا الطريق لم يتخذه النبي. وأما الطريق الثالث فقد سُحِر به سلمان، وتذكَّر (ماني) حين أسند ولايةَ عهده لتلميذه (مار سيسين)، جاعلًا إياه قطبًا تدور في فلكه هيكليّةٌ روحية تتألف من (اثني عشر) معلمًا يورّثون السِّر الروحي لأتباعهم. لهذا عَدّه سلمانُ الطريقَ الوحيد الذي سيُنقذ الإسلام، إلا أنه قد غابَ عنه أنَّ النَّبي العربي سار في طريقٍ رابع لا تُدركه فلسفة الفرس، طريقٍ يرى مستقبل الدين في الفطرة والسلوك المرحلي، وليس في الجماعات والهياكل، جاعلًا من السلوك العربي - في أفضل تجلياته المثالية - دينًا بحد ذاته ليجتمعوا عليه وينتصروا، ولهذا أحجم النبي عن كتابة كتاب وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، إنه وعي العرب بالضمانة لمسار القيم العربية العليا.
التفاتة:
يُروى أنَّ أعرابيًا قال للفارسي: «يا سلمان، العرب لا تعرف دندنتك ولا دندنة بني ساسان».