تسير الجنازة في الشارع بحزن يتطاير على الأرصفة كما تُرمى بذور القمح، ومع كل خطوة يسيرها المشيعون تنجلي قسوة الفقد ويظهر مقدار عمق الألم، كان مشي الجميع بطيئًا تعبيرًا عن احترامهم للفقيد ورغبتهم بملازمة جسده القصير النحيل أطول فترة ممكنة، لم يحمل نعشه المهيب رجالٌ بل أخذت أربعٌ من السيدات على عاتقهنّ إنجاز تلك المهمة الثقيلة على قلوبهنّ، حاولن إخفاء الدموع وخنق البكاء ولجم العويل، لكن حاجز الفشل كان لهنّ بالمرصاد، وعند بوابة المقبرة أنزل الجثمانُ بهدوء وبشكل مؤقت لتأبينه، كان على يساره إكليل دائري من الورد الأحمر مكتوب على يافطته «عائلة الحِبر تنعى فقيدها المأسوف على شبابه» وعلى يمينه باقة كبيرة من الورد الأبيض كُتب عليه «عائلة الرصاص تنعى ابنها البار» نظرت السيدات إلى بعضهنّ لطلب الإذن بالتحدث في تلك اللحظة الرهيبة.

السيدة ورقة: كم أنا حزينة على موتك يا أخي القلم، كم مرة زرتني وكتبتَ بمحبة على رقعتي، كم مرة كتبتَ التاريخ ورسمتَ الجغرافيا ودوّنتَ العلوم في قلبي، غدرك الغادرون وخانك الخائنون بعد أن صنعتَ لهم مليارات الكلمات والأشعار والألحان، أنا مثلك أنتظر نهايتي بعد أن احتلت الشاشات والأقراص بيتي، وأكاد أفقد مهنتي لأن قِطَعَهم الملعونة تزدري رجاحة عقلي وتتشدق بضيق ذاكرتي، أنا أكره أزرارهم المزعجة وأوامرهم الصوتية البغيضة، ما هذا الزمان الذي لم يعد يكتب فيه أحدٌ بيده!

السيدة ممحاة: يقولون إنني مصنوعة من المطاط لكنهم يتناسون مشاعري وسوء حالي، أنا متأكدة من أن قبري سيجاور قبرك قريبًا أيها القلم العزيز، كم مرة طلبتَ مني أن أمحو ما كتبته أنت من أجل التعديل والدقة والصواب، لم أنزعج مرة ولم أتثاقل عن تلبية نداء الواجب معك، وفي كل مرّة يتحول جزء من جسدي إلى فتات يتساقط وهباء يتطاير في هذه الدنيا، وبعد كل تلك التضحيات أستبدلتُ بأحد الأزرار التي تزيلُ أسرع مني وتنظفُ بطريقة أفضل مني، والنتيجة أنني وشقيقاتي نتكدّس فوق الأرفف وعلى رؤوسنا طبقة سميكة من الغبار، من بعدك أيها الرفيق أصبحتُ سمينةً ولا يصغر حجمي، وأنا لست سعيدة ولا أطيق هذه الحياة.


السيدة مسطرة: لك الرحمة والمغفرة أيها الصديق العزيز، لن أنساك وأنا متأكدة من أن روحك لن تنساني، كيف سننسى الخطوط الطولية والعرضية التي سطرناها سوية وصنعنا بها المعجزات، لقد كنتَ تدغدغني عندما تحتكّ بحافة جسدي في كل مرة، وكنتُ أشعر بالغيرة الشديدة عندما تستبدلني بابن عمك الفرجار لرسم الدوائر التي أعجز أنا عن عملها، وأين هو الفرجار الآن! إنه لم يحضر جنازتك رغم صلة القرابة التي تجمع بينه وبينك، قالوا لي إنك متّ بسبب المرض وقلّة الرعاية لكنني لم أصدقهم، لقد متَّ قهرًا بعد أن عزلك البشر بمنتهى الظلم، لقد توقفوا عن الإمساك بك فتصلب رصاصك وتجلّط الحبر في عروقك أيها المسكين، أما أنا فلم تغفر لي استقامتي في شبابي عندهم، ولم يراعوا انحناء ظهري والتواء قدمي في شيخوختي، تلك هي الحقيقة المرّة يا رفيق الدرب.

السيدة مبراة: أشعرُ بالصدمة بسبب رحيلك أيها القلم، وأشعر بالانكسار وخيبة الأمل بسبب ما سمعته قبل قليل، لكن هناك شيئًا صادمًا لم يذكره أحد، لقد كان القلم يجتهد على مراعاة أذواق وأمزجة ورغبات البشر بنوعٍ غريب من إنكار الذات، وعندما يسمعُ نقدهم ويلاحظُ امتعاضهم كان يأتي إليّ باكيًا ويضع المسكين رأسه العريضة تحت سكيني الحادة، ويبقى كذلك حتى تصبح خطوطه رفيعة وواضحة، وقبل المغادرة كان يمسك بأشلائه ويقبّلها في مشهد لن أنساه ما حييت، أما أنا فقد يكوني حالي الآن أقل إيلامًا منكم، هل تعرفون لماذا؟ بعد رحيل القلم ربما ستبقى النساء تستخدمني لبري أقلام المكياج وتوفّر لي السكن في حقائبهنّ وأدراجهنّ، هيا لنكمل إجراءات الدفن يا صديقاتي.....