بعض الرجال يرحلون، فيُغلق برحيلهم فصلٌ من الحياة. وبعضهم يرحلون، فتبدأ سيرتهم فصلًا جديدًا في ذاكرة الناس. فالأجساد تُوارى في التراب، أما القيم التي عاشوا لها، والخير الذي صنعوه، فيبقيان شاهدين لهم.

فالإنسان لا يخلده ما يملك، ولا ما يشغله من منصب، ولا ما يُقال عنه، وإنما يخلده سعيه الصادق لأهله ووطنه، وما يغرسه من شيمٍ في أبنائه.

ولعل خير ما يختصر هذه الحقيقة قول الله تعالى:

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾.

فالإنسان لا يعيش بعدد الأيام التي قضاها، بل بعدد القلوب التي لامسها، والنفوس التي ارتقى بها. فمن الناس من يرحل فتُطوى صفحته، ومنهم من يرحل فتبدأ رسالته.

وكان الشيخ هيف بن عبود، رحمه الله، من أولئك الذين كلما ذُكرت أسماؤهم حضرت معاني الصدق، والتسامح، والانتماء، والرجولة.

عرفته عن قرب، فوجدت فيه من الصفات ما يجعل الإنسان يطمئن إليه قبل أن يعرفه. كان إذا نصح أخلص، وإذا وعد وفّى، وإذا خدم وطنه فعل ذلك بإيمانٍ عميق، يرى أن خدمة المملكة ليست طريقًا إلى المجد الشخصي، بل عهدًا مع الله والوطن، يرجو أن يلقى الله وقد وفّى به.

ورأيت فيه أن العلاقات الإنسانية العميقة لا تقوم على كثرة اللقاءات، ولا على تبادل المصالح، وإنما على بناءٍ طويل من الثقة؛ ثقةٍ تُبنى بالصراحة، وتُحفظ بالوفاء، وتترسخ بالمواقف.

ومما تعلمته منه أن أسمى العلاقات هي تلك التي يستطيع فيها كل طرف أن يقول للآخر الحقيقة كما هي، لا كما يحب أن يسمعها. فالأخ الذي يحجب النصيحة خوفًا من فقدان الود قد حفظ العلاقة في ظاهرها، لكنه أضاع معناها. أما الأخ الأمين، فهو الذي يؤثر المصلحة على الرضا العابر، ويختار الصدق وإن كان ثقيلًا؛ لأنه يريد لك الخير أكثر مما يريد رضاك.

آمن بقصة صعود عسير؛ لأن الإيمان عنده كان فعلًا قبل أن يكون قولًا. وكان يؤمن بأن الأفكار العظيمة تمر بثلاث مراحل: الشك، ثم المقاومة، ثم القبول، حتى تصبح بديهياتٍ لا يتخيل الناس يومًا أنهم عاشوا من دونها. وكان من أولئك الذين يثبتون في زمن الشك، ويواصلون العمل في زمن المقاومة، راضيًا أن يحصد غيره ثمار مرحلة القبول.

فما قيمةُ مدينةٍ ترتفع أبراجها، إذا لم ترتفع معها أخلاقُ أهلها؟ وما معنى التنمية، إن لم تُنمِّ الإنسان قبل المكان؟

وكثيرًا ما كان هذا المعنى يتردد في حواراتي معه؛ إذ كان يرى أن صعود عسير ليس رحلةً نحو الأعلى، بل رحلةً نحو الأفضل؛ نحو إنسانٍ أسمى، وقيمٍ أرسخ، ومجتمعٍ أكثر تماسكًا.

وكان يؤمن بأن الإنسان في وطنه مستخلفٌ لا مالك، وأن قيمة العمر لا تُقاس بما نأخذه من وطننا، بل بما نتركه له.

ولذلك لم يكن ينظر إلى صعود عسير بوصفه مشروعًا حكوميًا فحسب، بل عهدًا أخلاقيًا بين جيلٍ تسلّم الأمانة، وجيلٍ يجب أن يسلّمها لمن بعده أكثر قوةً، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على صناعة المستقبل.

وكان يردد: «إن الأوطان لا تنهض بما يُبنى فوق أرضها وحدها، وإنما بما يُبنى في نفوس رجالها».

وقبل أيامٍ من رحيله، زرته في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض. وهناك، عند الحد الفاصل بين الدنيا والآخرة، رأيت مشهدًا لا يُنسى؛ أبناءً يحيطون بوالدهم بمحبةٍ صامتة، وابنةً طبيبةً أوقفت عملها لتتفرغ لخدمته.

حينها أدركت أن الإنسان يُقاس بما ربّى. فالأبناء ليسوا أعظم ما يتركه الإنسان فحسب، بل هم رسالته التي تمشي على الأرض.

وسيبقى الشيخ هيف بن عبود حاضرًا في كل أثرٍ أسهم في صنعه؛ فمن دعمه لأوقاف الجامعة، ومساندته لأندية المنطقة الرياضية، ووقفته مع المنطقة خلال جائحة كورونا، إلى دعمه المستمر لمبادرات الإسكان الكريم للأسر الأكثر احتياجًا.

وكان، فوق ذلك، سندًا لكل فكرةٍ صادقةٍ تصنع مستقبل عسير؛ لا ينتظر دعوةً إلى الخير إلا استجاب. وكانت تلك سجية العربي الأصيل؛ يهبُّ قبل أن يُستحث، ويؤازر قبل أن يُطلب، ويجعل نفسه في خدمة قومه ووطنه. وكان يؤمن أن خير الرجال من كان أول الحاضرين عند الحاجة، وآخر المنصرفين بعد أداء الواجب.

فالمروءة ليست وصفًا يُقال، بل حضورًا لا يتأخر حين ينادي الوطن.

غير أن الوفاء له لا يكون بتعداد أعماله فحسب، بل بحفظ جميله، وصيانة ذكره. فالوفاء من أجلِّ خصال العرب، وهو العهد الذي لا ينقضه الرحيل، ولا يطويه الزمن. وإن أعظم الوفاء للرجال الأوفياء بعد رحيلهم ألا نسمح للوفاء أن يرحل معهم؛ فبقاء الوفاء هو أعظم وفاء.

وفي فجر يوم الجمعة، بلغني نبأ وفاته. وبعض الرجال، حين يرحلون، لا يصلنا خبر موتهم فحسب، بل ينطفئ برحيلهم شيءٌ من جمال الحياة.

رحل، بعد أن خلَّد أثرًا راسخًا متجددًا في وطنه، وفي الناس، وفي كل خيرٍ أسهم فيه، فنسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يكرمه بجنات النعيم، وأن يجعله ممن قال فيهم:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾.