من جبهة الصبيحة الشرقية في حيفان والتربة، مرورًا بجبهات المنصورة والوازعية والأغبرة والمحاولة وتربة والغيل، وصولًا إلى جبال كهبوب والنايفات وباب المندب الإستراتيجي ،تتوزع مواقع المواجهة على امتداد جغرافيا واسعة، وتدور اشتباكات عنيفة في ظروف ميدانية بالغة الصعوبة.
ورغم شح الإمكانات والأسلحة والذخائر والعتاد، يثبت المقاتلون في هذه الجبهات، أن المعارك لا تُحسم دائمًا بكثرة السلاح، بل بالإرادة والانضباط والثبات والقدرة على الصمود.
تدار هذه الجبهات بمشاركة رجال القبائل وقوات العمالقة، إلى جانب قيادة محور طور الباحة، وسط متابعة وإشراف من القيادات العسكرية والسياسية، وفي مقدمتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي " الفريق محمود أحمد سالم الصبيحي" و"الفريق أحمد التركي"، و" اللواء حمدي شكري"، و" اللواء أبو بكر الجبولي".
حضرت الصبيحة برجالها وكهولها وشبابها ونسائها، حضرت عندما كان المطلوب هو الثبات وقالت «لا»، حين صمت كثيرون، في الوقت الذي اختار فيه البعض الابتعاد عن ميادين المواجهة، ظل أبناء الصبيحة في مواقعهم يتقدمون الصفوف، ويتمسكون بأرضهم ،يواجهون الخطر في جبهات مفتوحة.
لم تكن المعركة بالنسبة إليهم مجرد مواجهة عسكرية ، بل معركة وجود وأرض وكرامة. ولذلك لم يكن غريبًا أن تتحول القبائل إلى سند حقيقي للمقاتلين، وأن تتراجع الخلافات القبلية والمناطقية أمام الخطر الأكبر.
وضعت الصبيحة خلافاتها جانبًا ،وساند الأخ أخاه وتقاسم أبناء القبائل ما بينهم من زاد وعتاد، وأصبح الهم المشترك هو حماية الأرض ومواجهة الحوثيين، وهنا تتجلى قيمة التضامن الحقيقي أن تجد أخاك إلى جوارك، عندما تشتد المحن، وأن تمنحه ما تملك وأن تقف معه في المترس جنبا إلى جنب.
هنا نتذكر موقف أبناء الصبيحة الشرفاء في عام 2015 عندما وصلت الحرب إلى مناطقهم، توحدت القبائل في مواجهة الحوثيين، ووقفوا صفًا واحدًا في واحدة من أكثر المراحل صعوبة في تاريخ اليمن الحديث. اليوم يتكرر المشهد لكن بصورة أكثر تماسكًا وإصرارًا ،بعدما أدرك أبناء الصبيحة أن الانقسام لا يخدم سوى خصومهم، وأن وحدة الصف هي خط الدفاع الأول عن مناطقهم.
في قلب المعركة يظهر " الفريق محمود الصبيحي" الذي ينظر إليه كثير من أبناء الصبيحة بوصفه واحدًا منهم، لا مجرد مسؤول بعيد عن الميدان. فحضوره بينهم ووجوده إلى جانب أبناء منطقته، يمنح المقاتلين شعورًا بأن القيادة ليست بعيدة عن الخطر الذي يواجهونه.
ما يحدث اليوم في جبهات الصبيحة، يقدم صورة واضحة لمعنى الفداء والتكاتف، رجال يواجهون النار، وأسر تنتظر أبناءها ،وقبائل تحاول توفير ما تستطيع، وشباب يضعون أنفسهم في مقدمة الصفوف.
إنها صورة تختصر معنى أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، وأن تثبت عندما تتزلزل الأرض من حولك، وأن تدرك أن الوطن لا يُحمى بالشعارات وحدها ،وإنما بالتضحيات والمسؤولية والثبات. لذلك فإن الصبيحة اليوم لا تخوض معركة عسكرية فحسب ،إنها تقدم نموذجًا في كيفية توحيد الصفوف، عندما يكون الخطر مشتركًا.
التاريخ العسكري مليء بالمعارك التي تحولت إلى رموز للصمود، ولعل أبرزها " حصار لينينغراد" خلال الحرب العالمية الثانية ،حين أصبحت المدينة رمزًا للمقاومة والصمود، في مواجهة القوات النازية. واليوم يستعير أبناء الصبيحة من ذلك التاريخ صورة رمزية تعبر عن واقعهم؛ هنا الصبيحة " لينينغراد اليمن"، هنا تتوقف حسابات المسافات والإمكانات أمام إرادة المقاتل، وهنا تتحول الجبال والوديان والطرقات إلى خطوط دفاع، وتصبح كل قرية وكل موقع وكل متر من الأرض جزءًا من معركة أكبر، فإذا كانت لينينغراد قد دخلت التاريخ بوصفها رمزًا للصمود في وجه النازية، فإن الصبيحة تريد أن تقول :
إن الأرض التي يقف عليها رجالها لن تكون طريقًا مفتوحًا أمام الحوثيين.
إنها معركة صمود على أطراف الصبيحة، ومعركة أخرى على أبواب باب المندب، حيث تتقاطع الجغرافيا العسكرية مع الأهمية الإستراتيجية للمنطقة. نعم هنا الصبيحة لينينغراد، هنا رجال اختاروا البقاء في مواقعهم ، وهنا قبائل وضعت خلافاتها جانبًا عندما اقترب الخطر. هنا جغرافيا تعرف أن المعركة لا تُحسم بالصوت المرتفع، وإنما بالثبات والعمل والتضحيات.
فلله در الصبيحة ورجالها، ما أشد بأسهم، وما أقوى عزيمتهم ،وما أصلب إرادتهم أمام صخور الجبال! هنا الصبيحة، وهنا يُكتب فصل جديد من حكاية الصمود.