ساعةٌ خارج الزمن ، لكنها ربما تكون أكثر ساعات العمر صدقاً.!
أتخيلها ساعةً استثنائية، يقف عند حدودها صخب العالم، وتخفّ فيها وطأة الأيام، ويتراجع فيها كل ما ظنناه عظيماً أمام حقيقة واحدة:
أن الإنسان عابر، وأن الوقت هو رأس ماله الوحيد الذي لا يُسترد. في تلك الساعة، لا نريد مزيداً من العمل، ولا مزيداً من المال، ولا سباقاً جديداً مع الحياة.
نريد أن يعود الإنسان إلى الإنسان ! أن يرفع الأب رأسه عن مشاغله، وينظر في عيني ابنه، قبل أن يكبر الابن ويصبح اللقاء معه موعداًمؤجلاً.
أن تجلس الأم مع أبنائها دون أن يسرق الهاتف أعينهم وقلوبهم. أن يتصل صديقٌ بصديقٍ غاب عنه طويلاً، فيسقط بينهما كبرياء السنوات بكلمة: اشتقت إليك. وأن يجد المتخاصمون شجاعةً تكفي لقول: سامحني. !
فالساعة الخامسة والعشرون، في خيالي، ليست ستين دقيقة إضافية، إنها ستون دقيقة لاسترداد ما سرقته منا الأيام.
نملك أربعاً وعشرين ساعة كل يوم، ومع ذلك نعيش وكأن العمر طويلٌ بما يكفي لتأجيل كل شيء.
نؤجل الزيارة، الاعتذار، المصالحة، نؤجل الحب، ونترك أجمل الكلمات رهينةً لجملةٍ قصيرة نرددها بلا اكتراث: «غداً.»
ثم يأتي يومٌ لا يكون فيه غد! هنا تصبح الساعة الخامسة والعشرون أشبه بمرآةٍ هائلة؛ تقف أمامها أرواحنا، فتظهر الأشياء بحجمها الحقيقي.
نكتشف أن معارك كثيرة لم تكن تستحق أن نخوضها، وأن أشخاصاً خسرناهم كانوا أثمن من كل انتصار، وأن كثيراً مما جمعناه لم يكن يساوي لحظةً واحدة مع من نحب.
أتخيل عقارب تلك الساعة لا تمضي إلى الأمام، بل تعود إلى الوراء؛ تمرّ على وجوهٍ أحببناها ثم غابت، وعلى أصواتٍ كانت تملأ المكان ثم صمتت، وعلى أيامٍ لم نعرف أنها كانت أجمل أيام العمر إلا بعد أن أصبحت ذكريات.
لكنها، رغم سحرها، لا تستطيع إعادة الماضي.. تفعل شيئاً أكثر قسوة:
تجعلنا ندرك قيمته ! وربما لهذا السبب تحديداً، لن يأتي الزمن يوماً بالساعة الخامسة والعشرين.
فلو جاء بها، لأفسد علينا أعظم دروس الحياة،أ ن قيمة الوقت ألا يعود!
وأن الإنسان لا يُمنح فرصةً ثانية مع كل شيء. لهذا، فالساعة الخامسة والعشرين ليست ساعةً ننتظرها .. لكنها قد تكون موجودةً في أعماقنا؛ في اللحظة التي ندرك فيها أن العمر ليس ما مضى من وقت، بل ما عشنا فيه، وما تركناه خلفنا من أثرٍ طيب في قلوب الآخرين.
وربما كانت الحكمة الأخيرة التي يهمس بها لنا الزمن:
لا تنتظروا الساعة الخامسة والعشرين... عيشوا الرابعة والعشرين كما لو أنها لن تتكرر!!