في المسافة الفاصلة بين المعرفة والسلطة تولد بعض أكثر الأخطاء المؤسسية تعقيداً؛ فليس كل من يعرف يملك حق القرار، وليس كل من يملك حق القرار يستطيع أن يحمل في ذهنه تفاصيل المعرفة التي يستند إليها. وبين الطرفين تقوم منطقة شديدة الحساسية؛ إذا ضاقت حتى التقت المعرفة بالقرار نشأت الحكمة المؤسسية، وإذا اتسعت أكثر مما ينبغي أصبح القرار قادراً على الحركة، لكنه قد يتحرك بعيداً عمّن يعرف الطريق.

ولعل المعضلة ليست في وجود هذه المسافة ذاتها؛ فالمؤسسات الحديثة أكثر تعقيداً من أن تجتمع معرفتها وسلطتها في عقل واحد. في طبقاتها المختلفة تتوزع أجزاء الحقيقة؛ موظف يلامس المشكلة كل يوم، ومتخصص يرى أبعادها الفنية، وإدارة تقرأ آثارها التشغيلية، وقيادة تنظر إلى الصورة الأوسع. كل منهم يحمل قطعة من المشهد، لكن القرار في النهاية لا بد أن يستقر عند نقطة ما. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للمؤسسة: هل تستطيع أن تجمع المعرفة المبعثرة قبل أن تمنح القرار صورته النهائية؟

فالخطر لا يبدأ عندما يجهل صانع القرار شيئاً؛ إذ لا يوجد قائد يعرف كل شيء. الخطر يبدأ حين لا يعرف ما الذي لا يعرفه، أو حين تصبح المسافة التنظيمية بينه وبين أصحاب المعرفة طويلة إلى درجة تتغير فيها الحقيقة وهي في طريقها إليه. فقد تبدأ المعلومة في أسفل الهرم واضحة وحادة، ثم تعبر طبقات من الاختصار والتهذيب وإعادة الصياغة، حتى تصل إلى الأعلى أكثر أناقة وأقل إزعاجاً، لكنها ربما تكون أيضًا أقل شبهاً بالواقع الذي خرجت منه.


وهكذا تنشأ مفارقة دقيقة؛ فكلما ارتفع الإنسان في الهرم اتسعت سلطته على القرار، وفي الوقت نفسه قد تزداد المسافة بينه وبين التفاصيل التي تمنح ذلك القرار معناه. يرى الصورة الأكبر، لكنه قد يفقد شيئاً من خشونة الواقع التي لا تظهر في التقارير. ومن هنا لا تكون القيادة في أعلى صورها امتلاكاً للحقيقة، بل امتلاك القدرة على الوصول إليها قبل اتخاذ القرار.

ولذلك فإن المؤسسة لا تصبح أكثر ذكاء بمجرد أن تضم أذكى العقول، كما لا تصبح أكثر معرفة بمجرد أن تمتلك عدداً أكبر من المتخصصين؛ فالمعرفة المؤسسية لا تُقاس بما تعرفه العقول منفردة، وإنما بقدرة ما تعرفه تلك العقول على العبور إلى المكان الذي يُصنع فيه القرار. وقد تمتلك المؤسسة الإجابة في أحد مكاتبها، ثم تتخذ قراراً يناقضها في مكتب آخر، لا لأن أحداً أراد الخطأ، بل لأن المعرفة لم تجد طريقها إلى السلطة في الوقت المناسب.

وهنا يظهر أحد أخطر أشكال الصمت المؤسسي؛ ليس صمت من لا يملك شيئاً يقوله، بل صمت من يملك المعرفة ولا يملك منفذاً تصل منه. وحين تتكرر التجربة، يتعلم بعض الناس أن المسافة إلى القرار أطول من أن يقطعوها، فيتوقفون تدريجيًا عن المحاولة. عندها لا تفقد المؤسسة أصواتاً فحسب، بل تفقد أجهزة استشعار بشرية كانت موزعة في أعماقها، ترى ما قد لا تستطيع القيادة أن تراه من الأعلى.

وقد يبدو الهرم التنظيمي في هذه اللحظة متماسكاً، بينما تكون المعرفة داخله مجزأة؛ السلطة في الأعلى، والمعلومة موزعة في طبقاته، وبينهما مستويات تستطيع أن تنقل الحقيقة أو تختصرها أو تؤخرها. ولهذا فإن جودة المؤسسة لا تظهر فقط في وضوح خطوط السلطة، بل في قصر المسافة التي تحتاجها الحقيقة كي تصل إلى من يملك سلطة التصرف فيها.

ومن هنا يمكن فهم القيادة بصورة مختلفة؛ فالقائد الأكثر قدرة ليس بالضرورة من يملك أكبر قدر من الإجابات، وإنما من يبني حول القرار نظاماً يسمح للأسئلة الصحيحة بأن تصل إليه. لا يخشى أن يعرف الآخرون ما لا يعرفه، ولا يرى في المعرفة الموزعة انتقاصاً من سلطته؛ لأن السلطة التي تحتاج إلى احتكار المعرفة كي تحافظ على هيبتها سلطة هشة، أما القيادة الواثقة فتعرف أن قوتها لا تأتي من أن تكون أذكى عقل في الغرفة، بل من قدرتها على جعل عقول الغرفة كلها تعمل لصالح القرار.

ولعل الفرق بين المؤسسات لا يكمن دائماً في مقدار المعلومات التي تمتلكها، بل في هندسة انتقالها. ففي مؤسسة ما تستطيع المعلومة غير المريحة أن تصعد كما هي، وفي أخرى تحتاج إلى أن ترتدي ثياباً أكثر قبولاً في كل مستوى تمر به. في الأولى يصبح القرار أقرب إلى الواقع، أما في الثانية فقد تصبح القيادة آخر من يعرف، رغم أنها أول من يُطلب منه أن يقرر.

أخطر ما في المسافة بين المعرفة والقرار أنها لا تظهر في الهيكل التنظيمي؛ فالخطوط المرسومة بين الإدارات تبدو متصلة، والصلاحيات محددة، والاجتماعات منعقدة، والتقارير تتحرك، لكن كل ذلك لا يخبرنا إن كانت الحقيقة نفسها تتحرك. فقد تكون المؤسسة شديدة الاتصال إدارياً، لكنها بعيدة معرفياً؛ كثيرة الاجتماعات، قليلة الإصغاء؛ غنية بالمعلومات، فقيرة بالحقيقة التي تصل إلى لحظة القرار.

ولهذا لا يكون السؤال الأهم أمام القيادة: كم تقريراً وصل؟ ولا كم اجتماعاً عُقد؟ بل: هل وصلت أفضل معرفة كانت المؤسسة تملكها إلى موضع القرار قبل أن يُتخذ؟ ففي هذا السؤال تتغير فلسفة السلطة؛ من موقع ينتظر أن تصعد إليه المعلومات، إلى عقل يبحث عن المناطق التي قد تختبئ فيها الحقيقة، ويعرف أن جودة القرار لا تبدأ عند لحظة إصداره، بل من جودة الطريق الذي سلكته المعرفة حتى وصلت إليه.

فالمؤسسات لا تعاني دائماً من ندرة المعرفة، بقدر ما تعاني أحياناً من تأخر وصولها؛ فقد تكون الحقيقة حاضرة، والرؤية مكتملة، والعقل القادر على قراءة المشهد موجوداً، ومع ذلك يولد القرار في اللحظة التي يغيب فيها كل ذلك عنه. وهنا تكمن المفارقة التي يصعب أن تكشفها التقارير: أن تمتلك المؤسسة ما كان يكفي لتجنب الخطأ، ثم تقع فيه وهي تملك أسباب النجاة منه.

ولعل المأساة الفكرية في القرار الخاطئ ليست دائماً في أننا لم نكن نعرف، بل في أننا عرفنا في أماكن متفرقة، ولم تعرف المؤسسة في اللحظة التي كان ينبغي لها أن تعرف. فالمعرفة التي تأتي بعد القرار قد تفسر ما حدث، وقد تمنع تكراره، لكنها لا تستطيع أن تعود إلى اللحظة التي كانت فيها الاحتمالات لا تزال مفتوحة. وربما لهذا لا تُقاس حكمة المؤسسات بمقدار ما تعرفه بعد وقوع الأشياء، بل بمقدار ما تستطيع أن تعرفه قبل أن تفقد الأشياء إمكانية أن تكون على نحوٍ آخر.