ولم يتوقف حدود هذا العبث عند ركح السياسة، بل امتد ليلامس حدود التجييش البغيض ومحاولات جر صراع الجوار نحو مستنقع الغرائز الطائفية، مستلهمة روح التحريض الرعناء الصادرة عن بعض الأصوات الكهنوتية المتطرفة- كذلك القس الإسباني الذي تجرد من أبسط قواعد الحكمة ليدعو علانية إلى غزو المغرب وتنصيره وقصف عاصمته- في تناقض صارخ مع شعارات الحداثة والعلمانية التي ترفعها الدوائر الأوروبية. وهي رقصة بهلوانية متخبطة تحاول من خلالها مدريد إخماد ثائرة معارضة محتدمة وشارع محلي غاضب يكيل الاتهامات بالتقصير لحكومة بيدرو سانشيز، متناسية بغباوة ما تستبطنه تلك الرمزية الاستفزازية من انتهاك سافر لسيادة الرباط وجرح لحساسية بالغة لا تحتمل العبث ولا تقبل المساومة.
وعلى منبر البرلمان الإسباني، حيث تتكسر عواصف المزايدات على صخرة المؤسسات، أطل بيدرو سانشيز ليشهر سيف الرفض القاطع في وجه أي حوار أو تفاوض يمس سيادة الثغور المستلبة، محاولاً بسياج «الأوربة» أن يرمم جداراً سياسياً مهترئاً وأن يسكت ألسنة اليمين المتربصة بسلطته.
وفي هذا السياق المأزوم، خرج وزير الخارجية الإسباني بتصريحات كشفت حجم الضغط الذي تعانيه الدبلوماسية الإسبانية، مسلطاً الضوء على اتصالاته المباشرة بنظيره المغربي ناصر بوريطة للاستفسار واحتواء تداعيات أزمات الحدود والتدفقات الأخيرة، في محاولة بائسة لنسب تفسيرات ظرفية للمواقف المغربية وربطها بالسياق الانتخابي الداخلي. غير أن تلويح حكومته بعبارة «توافر الظروف المناسبة» لم يكن سوى خيط متهالك من الأعذار، وشفرة دبلوماسية يستترون خلفها هرباً من لظى تصعيد مدمر تدرك مدريد جيداً عقاربه اللادغة التي لا تحرق سوى أصابع صانعيها. وفي المقابل، يقف المغرب على تخوم هذا اللجاج السياسي متمنعاً بثوب الهيبة والوقار، إذ يترفع الميزان الوطني عن الانزلاق في مستنقع الابتزاز الانتخابي، مؤمناً بأن جلال القضايا السيادية لا يُطرح في مزادات الساسة، بل يحرسها منطق الدولة العريق وعقيدة دبلوماسية صامتة تمتح من طول البال وعمق التاريخ، وتترك لصخب الضفة الأخرى أن يتبدد أمام صخرة الثبات والرزانة.
ولا تكاد صفحة التوترات تَهْدَأ حتى تطفو على السطح حسابات إقليمية أخرى، كمحاولات إعادة ترتيب الأوراق الدبلوماسية وجسور الوصل مع الجار الشرقي عبر الزيارة المرتقبة للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون إلى مدريد في مسعى لرأب الصدع القديم وتأمين المصالح الطاقية، مما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى صمود الموقف الإسباني التاريخي الذي أقر عام 2022 بمغربية الصحراء واعتبر مبادرة الحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية للحل. غير أن بوصلة مدريد الرسمية تظل، رغم هذه المنعطفات، محكومة بمعادلة توازن دقيقة ومضنية تُعرف بسياسة «مسك العصا من الوسط»، تحاول من خلالها ترميم صداقاتها الطاقية والسياسية مع الجزائر دون أن تضحي بمكاسبها الاستراتيجية الكبرى مع المغرب، مدركة تمام الإدراك أن التلاعب بالخطوط الحمراء يرتطم دوماً بصخرة صلبة من الواقعية السياسية التي تفرضها حقائق الجغرافيا والتاريخ.
وحين نمعن النظر في ميزان الواقع والاقتصاد، تسقط الصور النمطية لتفسح المجال لقراءة موضوعية تعترف بالتفاوت والتبادل معاً، فإسبانيا تملك بنية صناعية واقتصادية ضخمة ومندمجة بقوة داخل الاتحاد الأوروبي بميزانيات دفاعية ومقدرات مالية واسعة. بينما يواصل المغرب فرض نفسه كقوة إقليمية صاعدة تثبتها لغة الأرقام الرسمية التي أبان فيها الميزان التجاري بين الجارين عن فائض تاريخي لصالح الرباط تجاوز 3 مليارات أورو، مدفوعاً بصعود صادرات ذات قيمة مضافة عالية كالسيارات، والطائرات، وقطع غيار الأجهزة الكهرومنزلية، في مقابل تدفق طاقي استراتيجي يؤمنه الجانب الإسباني عبر إمدادات الغاز الطبيعي المسال المعالج والربط الكهربائي العابر للمتوسط.
وعلى الصعيد العسكري والاستراتيجي، تقدم مؤشرات القدرات العسكرية لوحة متوازنة من التكامل وتوزع نقاط القوة. فإسبانيا تسجل تفوقاً نوعياً ملحوظاً في مجالات القوة الجوية والبحرية، مستفيدة من أسراب متطورة ومنظومات بحرية متقدمة وغواصات وعضوية حلف الأطلسي. وفي المقابل، يعتمد الجيش المغربي على كتلة بشرية واسعة وجاهزية برية معتبرة ترتكز على ترسانة ثقيلة ومنظومات مدفعية متقدمة، فضلاً عن خبرة ميدانية متراكمة. غير أن المعادلة الأمنية الحقيقية تتجاوز تفوق الأسلحة البحتة إلى حقيقة التشابك الجيوسياسي، إذ تدرك مدريد أن استقرارها الجنوبي ومحاربة شبكات الجريمة العابرة للحدود والهجرة تعتمد بشكل حاسم على كفاءة الشراكة الأمنية والاستخباراتية مع المغرب.
وحين نتساءل عما إذا كان اليمين الإسباني أو اليسار هو الأصلح للمغرب، نكتشف بعمق أن الدبلوماسية المغربية لا تراهن على لون سياسي بعينه، فالتجارب التاريخية تثبت أن الحكومات اليمينية، على صخب خطابها ومزايداتها، كانت تبرز براغماتية مفرطة حين تصل إلى سدة الحكم وتصطدم بمصالحها العليا. وبالمثل، فإن التيارات اليسارية وإن حملت لواء الانفتاح والتسوية التاريخية، تظل عرضة لابتزاز الأجنحة الراديكالية والمنظمات الحقوقية. ومن هنا، تغدو فكرة الاستعانة أو الاحتماء بـ«طرف ثالث» لرأب الصدع بين الجارين أمراً مستبعداً تماماً ومجافياً لطبيعة الروابط القائمة، فالعلاقة الممتدة عبر ضفتي المتوسط أكبر بكثير من أن تُدار بوسطاء تقليديين، بل هي علاقة محكومة بمنطق التشابك الحيوي والبراغماتية المتبادلة التي تدفع بالطرفين دائماً للالتفاف حول حافة الهاوية والعودة السريعة إلى طاولة الحوار المباشر والصامت.
وخلاصة القول، إن شِراك الجوار الأبدي بين ضفتي المتوسط ليست عرضة للانهيار أمام ريح المزايدات أو عواصف التحولات الظرفية، فالتاريخ والجغرافيا يفرضان قدراً حتمياً من التداخل الذي ينصهر فيه السياسي والاقتصادي والأمني في بوثقة واحدة. وبينما تستمر مدريد في مكابرتها السياسية تارة وتوازناتها الحذرة تارة أخرى، يظل المغرب، بثوابته الراسخة ووعيه الاستراتيجي الواثق، سيدَ الساحة في إدارة دفة مصالحه العليا، ليثبت يوماً بعد يوم أن مستقبل هذه العلاقة لا تصنعه خطابات الانفعال الانتخابي، بل تحرسه صلابة المصالح الحيوية وحكمة البراغماتية الصامتة.
* كاتب من المغرب