حين فازت عسير بلقب "منطقة فنون الطهي العالمية 2024" كأول منطقة من خارج أوروبا تحصل على اللقب، لم يكن الإنجاز احتفاء بالأطباق الشعبية بقدر ما كان اعترافًا بأن الطعام يمكن أن يتحول إلى أداة للتنمية والسياحة والاقتصاد المحلي. فالبرنامج الذي منح عسير اللقب يقوم أساسًا على الربط بين الغذاء والثقافة والسياحة والاستدامة، ودعم المنتجين المحليين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

في قلب هذه المعادلة يقف الحنيذ، أحد أكثر أطباق عسير ارتباطًا بالمكان، لكن قصته تصبح أكثر خصوصية عندما نتجه نحو محايل عسير؛ المحافظة التهامية التي لم يعد الحنيذ فيها مجرد طبق يُقدَّم للضيف، بل أصبح نشاطًا تجاريًا وهوية محلية وتجربة يقصدها الزائر.

وكالة الأنباء السعودية وصفت محايل بأنها اشتهرت بتقديم الحنيذ، وأشارت إلى أن هذه الصناعة تطورت من الطريقة الشعبية البسيطة إلى علامات تجارية محلية تتنافس في الجودة والخدمات، وأن المطاعم تبدأ تجهيز الوجبات قرابة الساعة 11 صباحًا، ويستمر الإعداد وفق الطلب حتى التاسعة مساء. وهذه التفاصيل الصغيرة تكشف أن أمامنا نشاطًا اقتصاديًا يوميًا، وليس مجرد موروث موسمي.


والقيمة الحقيقية للحنيذ تبدأ قبل أن يصل اللحم إلى الطبق. هناك سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ من مربي الماشية وسوق الأغنام والجزار وموردي الحطب والنباتات المستخدمة في الطهي، مرورًا بالطاهي والعامل والمطعم، وصولًا إلى النقل والتوصيل والأسر المنتجة والفعاليات والسائح نفسه. كل ريال ينفق على تجربة الحنيذ قادر على التحرك داخل أكثر من نشاط محلي، ولذلك فإن قياس اقتصاد الحنيذ بعدد المطاعم فقط يقلل كثيرًا من حجمه الحقيقي.

حتى طريقة إعداده تحمل قيمة سياحية قابلة للبيع كتجربة. فالحنيذ التقليدي في محايل يُطهى داخل الحفرة أو التنور، باستخدام الجمر وأغصان السلع والمرخ، ويحتاج عادة إلى نحو ساعتين إلى ثلاث ساعات لينضج ببطء. هنا لا يشتري السائح لحمًا وأرزًا فحسب؛ بل يمكن أن يشاهد عملية إعداد عمرها أجيال، ويتعرف على النباتات المحلية وطرق الطهي ثم يتناول المنتج في بيئته الأصلية.

وهذا بالضبط ما بدأت محايل تجربته عمليًا. ففي نوفمبر 2024 أطلقت المحافظة مهرجان الحنيذ الأول لمدة عشرة أيام، ولم يقتصر على بيع الطعام؛ بل تضمن عروضًا مباشرة لطهي الحنيذ، وورشًا لتعليم إعداده وتجهيزه، ومنافذ بيع وأركانًا للأسر المنتجة. ثم انتقلت التجربة إلى مستوى آخر في يناير 2026 مع مهرجان الحنيذ الثاني الذي استمر أسبوعًا، ووصل صداه إلى مشاركة طهاة وخبراء دوليين من مدارس طهي أوروبية وآسيوية وشرقية في تجربة الموروث الغذائي العسيري.

هذه ليست تفاصيل مهرجان عابر؛ إنها مؤشر على إمكانية صناعة منتج سياحي دائم.

فمحايل تمتلك أصلًا سوقًا سياحية قابلة للبناء عليها. مهرجان "محايل هوانا" استقطب في إحدى نسخه 50 ألف زائر خلال سبعة أسابيع، على مساحة 20 ألف متر مربع وبمشاركة 45 عارضًا. وعلى مستوى المنطقة الأوسع، تشير هيئة تطوير عسير إلى أن موسم الصيف السابق لعام 2024 استقبل قرابة 3 ملايين سائح، بينما تستهدف استراتيجية المنطقة الوصول إلى أكثر من 9 ملايين زائر سنويًا.

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أهم من السؤال التراثي: كم شخصًا من ملايين زوار عسير يمكن أن تقنعه محايل بالنزول من الجبل إلى تهامة من أجل تجربة غذائية لا يجدها بالصورة نفسها في مكان آخر؟

فالسائح الذي يأتي من أجل الحنيذ لن ينفق على الوجبة وحدها؛ قد يشتري العسل والبن والمنتجات الشعبية، ويمر بالسوق، ويزور موقعًا سياحيًا، وربما يقضي ليلة في المحافظة. وهكذا تتحول قيمة الطبق من فاتورة مطعم إلى إنفاق سياحي ممتد.

واللافت أن البنية الأولية لهذه التجربة موجودة فعلًا. ففي السوق الرمضاني بمحايل يتصدر الحنيذ الأطعمة الشعبية، ووصفته "واس" بأنه الوجبة الرئيسية على السفرة الرمضانية في المحافظة، إلى جانب العريكة والمبثوث والعصيد واللحوح والحلبة وخبز البر والشعير والذرة والدخن، فيما تجتمع في السوق منتجات أخرى مثل العسل البلدي. أي إن محايل لا تمتلك طبقًا منفردًا فقط، بل تمتلك سلة غذائية وتراثية يمكن تحويلها إلى تجربة سياحية متكاملة.

ومن هنا يمكن أن تكون الخطوة التالية أكبر من إقامة مهرجان سنوي: مسار للحنيذ في محايل يضم المطاعم المتخصصة، وتجارب الطهي الحي، وسوق الماشية والمنتجات المحلية، والأسر المنتجة، مع هوية موحدة ومعايير للجودة، ثم مهرجان سنوي يتحول إلى حدث سياحي معروف على مستوى المملكة والخليج.

فالمدن التي نجحت في سياحة الطعام لم تخترع أطباقًا جديدة؛ بل أخذت ما كان موجودًا في مطابخ أهلها، ثم بنت حوله قصة وتجربة وعلامة وقطاعًا اقتصاديًا.

ومحايل تمتلك العنصر الأصعب بالفعل: طبقًا معروفًا، وطريقة إعداد مرتبطة ببيئتها، ومطاعم بنت أسماء تجارية حوله، ومهرجانًا وصل إلى نسخته الثانية، وموقعًا داخل منطقة تستهدف ملايين الزوار سنويًا.

لذلك ربما لم يعد السؤال: أين نجد أفضل حنيذ؟

السؤال الأكبر هو: هل تستطيع محايل أن تجعل الحنيذ سببًا مستقلًا للسفر إليها؟

إذا حدث ذلك، فلن يكون الحنيذ مجرد أشهر ما يوضع على مائدة محايل؛ بل قد يصبح واحدًا من أهم منتجاتها السياحية، ومحركًا لسلسلة اقتصادية تبدأ من الماشية والأرض، وتمر بالمطعم والطاهي والأسرة المنتجة، وتنتهي بسائح جاء إلى عسير من أجل الجبل... فنزل إلى محايل من أجل المذاق.