دخل المسلمون غزوة أحد وقد نالت منهم بعض أسباب الهزيمة، وكانت أسبابًا مادية في نظر الخصم كافية للقضاء عليهم وإلحاق هزيمة ساحقة ونكراء بهم على الأقل، حيث انسحب عبدالله بن أُبيّ بما يقارب ثلث الجيش عائدًا بهم إلى المدينة، بحجة أن ذلك كان مخالفًا لما اتُّفق عليه سلفًا من البقاء بالمدينة والاحتماء بأسوارها، إلا أن المسلمين حققوا نصرًا كبيرًا، وحولوا تلك الأسباب التي ظنها خصومهم قاصمة إلى وسيلة نصر، حيث أعدوا العدة، وبذلوا الأسباب، وكان الإيمان بالله وبصدق قضيتهم وعدالتها هو الدافع والمحرك. وحين أغفلوا أهم تلك الأسباب، ونزل الرماة من على ظهر الجبل، وقد كانت أعين أعدائهم عليه، اغتنموا تلك الفرصة، وبذلك حول أعداؤهم تلك الهزيمة إلى نصر، وإن كان مؤقتًا أو غير مكتمل، لكنه أحدث أثرًا كبيرًا في صفوف المسلمين، واستشهد العشرات منهم، وجُرح قائدهم عليه الصلاة والسلام، وأشيع في القوم أنه قد استشهد.
كان الجبل حينها، وكان الرماة هما الخيط الرفيع الذي يربط بين النصر والهزيمة. عمل المسلمون به فحققوا نصرًا كبيرًا جعل قوة المشركين تنهزم وتفر من أرض المعركة تحت ضربات جيش المسلمين، تاركين قتلاهم وجرحاهم وقدرًا كبيرًا من الغنائم التي لمعت في أعين الرماة على الجبل، فتركوا مواقعهم رغم تحذير قائدهم وتذكيرهم بالأمر النبوي: «لا تبرحوا أماكنكم»، إلا أنهم نزلوا مسرعين لا يلوون على شيء، وبذلك ارتد هذا الخيط الرفيع عليهم، فالتف خالد بن الوليد بجزء من جيشه واعتلى جبل الرماة، وباغت المسلمين من حيث كانوا آمنين، وحدث الذي حدث، وتحول النصر إلى هزيمة، وفرار المشركين ارتد هجومًا أسفر كما أسلفنا، عن نتائج كارثية، كان من أبرزها إصابة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث شُجَّ رأسه وكُسرت رباعيته، أي إن الأمر وصل إلى القائد العام للجيش، إلا أن ثبات المسلمين وشجاعتهم وإقدامهم حال دون الفرحة الكاملة للعدو، فخاضوا معه معركة طاحنة، ولاحقوهم عقب المعركة رغم جراحهم وآلامهم، وهو ما حال دون الفرحة الكاملة أو النصر الكامل لجيش المشركين.
ومن هنا يتضح لنا أن النصر والهزيمة، رغم ما بينهما من تضاد وما يحمل كل منهما من معانٍ متباينة، فإنهما لا يفترقان، فهما حاضران في المعركة من بدايتها حتى يغلب أحدهما الآخر، ومن ظن أنه ينفرد بأحدهما فسيبوء بالأسوأ منهما؛ ذلك أن من ظن أن النصر حليفه على الدوام سكنه الغرور، فعطل العمل بالأسباب، وركن إلى مجرد القوة التي قد تنقلب ضعفًا على حين غفلة من الزمن. وفي التاريخ شواهد كثيرة؛ فالمشركون في غزوة بدر خرجوا وقد عملوا بأسباب النصر، ولم يفكروا بغيره، وركنوا إلى مجرد القوة الظاهرة المادية، فرجعوا خائبين خاسرين مهزومين، وقد قُتل قادتهم، وذهب عدد كبير من جيشهم بين قتيل وجريح وأسير.
والموقف ذاته تكرر في غزوة الأحزاب، التي اجتمع فيها حول المدينة جيش لا طاقة لأهلها به، وضاعف ذلك ما حدث من خيانات وتآمر من داخل المدينة نفسها، من اليهود الذين نقضوا العهد وتحالفوا مع الجيش القادم للقضاء على أهل الإسلام فيها، واستُكملت كل ما ظنوه عوامل نصر مادية، لكن الخيط الرفيع هنا كان مختلفًا؛ فالرعب والخوف كانا هما الخيط الرفيع. ورغم إصابة المسلمين في المدينة به، ووصف الله لهم بأن قلوبهم بلغت الحناجر من شدة الخوف والرعب، إلا أن الله ثبتهم، ورسوله كان بينهم يشد من أزرهم ويمنحهم البشريات بالفرج القريب، وحصولهم على ما هو أبعد من ذلك: فتح الشام وفارس وقصور صنعاء. وفي الجهة المقابلة من جيش المشركين تمكن منهم اليأس ثم دب الرعب في قلوبهم حين اشتد عليهم الظلام، وأتت الريح فاقتَلعت خيامهم، ولم يكن لهم من سبيل إلا الرحيل، تاركين وراءهم خيبة وهزيمة، وضعت حدًا فاصلًا ومرحلة جديدة من مراحل الصراع بين المدينة وقريش.
ويقاس على ما سبق كل ما يحدث من هزائم أو انتصارات؛ فالهزيمة حين تحل بقوم أو تأتي على فريق فإن عواملها الداخلية غالبًا تسبق ما يأتي عليهم من عدوهم، كما أن النصر لا يتحقق إلا ببذل الأسباب، والعمل على الخيارات كافة، والحرص على إغلاق كل المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها الهزيمة، كوهن العزائم، والركون إلى الأسباب الظاهرة أو الغرور بالقوة المطلقة. فللنصر عوامل كثيرة، وللهزيمة أسباب أكثر، والوصول للنصر يتطلب العلم بهما، عملًا بأسباب النصر، وتجنبًا لأسباب الهزيمة.
* كاتب يمني