في الدول التي تعرف إلى أين تمضي، لا يملك الخطر أن يعرّف المرحلة، ولا تتحول لحظة الاعتداء إلى زمن تعاد على إيقاعه كتابة المستقبل. والسعودية اليوم تمضي في مشروع حسم وجهته منذ أعوام، وبنت له من الاقتصاد والسياسة والمؤسسات والقدرة ما يجعل اضطراب الإقليم حدثا تتعامل معه الدولة من داخل مشروعها، لا ظرفا يعيد رسم وجهتها.

والاعتداءات الأخيرة لا تثير سؤال قدرة المملكة على حماية مدينة أو منشأة أو ممر؛ فتلك من صميم مسؤولية الدولة وما تملكه من أدوات. السؤال الأشد أهمية هو ما إذا كان السلاح يستطيع أن يتجاوز هدفه المادي إلى توقيت القرار السعودي نفسه؛ أن يزيح الأولويات عن مواضعها، أو يشغل الوطن عن مستقبله، أو يحول لحظة اختارها الخصم إلى موعد تعيد عنده الدولة ترتيب أولوياتها.

فالمملكة لا تبني لموسم عابر، وإنما لمستقبل يتشكل عاما بعد عام؛ مدن تنمو، وصناعات تتوسع، واستثمارات تنظر إلى عقود مقبلة، ومؤسسات تطور أدواتها، وجيل تتسع أمامه إمكانات لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل. ولهذا يتصل الأمن بالمشروع الوطني في بنيته وفي محيطه معا؛ إذ يحفظ للدولة قدرتها على أن تظل هي من يحدد إيقاع البناء ووجهته، وألا تفرض أزمات الإقليم توقيتها على الطريق الذي اختارته المملكة لنفسها.


ويفشل السلاح، في هذا المعنى، قبل أن يفشل عسكريا؛ يفشل حين تمر الحادثة ولا تأخذ معها شيئا من زمن الدولة، حين يبقى القرار في موضعه، والبناء مستمرا، والمستقبل محكوما بما اختارته المملكة لنفسها لا بما أراد الخصم أن يفرضه عليها.

توالت، خلال الأيام الماضية، وقائع بدت في ظاهرها متفرقة، لكنها أعادت رسم المشهد على نحو أكثر ترابطا. فقد تعرض خط أنابيب شرق–غرب لاعتداءات أدت إلى إيقافه احترازيا، في وقت ازدادت فيه أهمية المسار السعودي إلى البحر الأحمر مع الضغوط الواقعة على طرق الطاقة في المنطقة، فيما تصاعد القلق حول باب المندب واستمرت الاضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز. ومع تقارب هذه الأحداث، لم يعد السؤال مقتصرا على أثر كل حادثة على حدة، بل اتجه إلى ما إذا كان اضطراب الإقليم يستطيع أن ينتقل من أطراف المشهد إلى التأثير في خيارات الدولة نفسها.

ففي مساء الخامس عشر من سبتمبر بلغ هذا السؤال موضعا لا يشبه غيره؛ إذ أعلنت قيادة التحالف أن الدفاعات الجوية السعودية اعترضت ودمرت طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، فيما نفى الحوثيون أن تكون مكة أو المواقع الدينية هدفا لهم. وما بين الروايتين تبقى الواقعة في أصلها واضحة: مسيرة أطلقتها الجماعة وانتهى مسارها جنوب مكة بعد أن اعترضتها الدفاعات السعودية.

لا تحتاج مكة إلى تضخيم الحدث حتى يصبح اقتراب السلاح منها ذا دلالة استثنائية؛ فهي مدينة سعودية ترعاها وتحرسها الدولة كما تحرس كل شبر من أرضها، غير أن معناها في الوجدان الإسلامي يتجاوز الحدود السياسية للمملكة. يتجه إليها المسلم في صنعاء كما يتجه إليها في الرياض والقاهرة وشتى بقاع العالم، وقد يمضي عمره من غير أن يراها، لكنها تظل حاضرة في صلاته ووعيه طوال حياته. لذلك لا يختزل ما جرى في نوع الطائرة أو مداها أو المنطقة التي انتهى عندها مسارها؛ فبعض الأمكنة لا تكون مجرد مسرح للحدث، بل تصبح جزءا من الحكم عليه.

وتحمل ذاكرة مكة ما يجعل هذه الحادثة أبعد من حدودها العسكرية. ففي عام 1979 دخل جهيمان العتيبي وجماعته المسجد الحرام بالسلاح، وهم يتحركون من تصور ديني رأوا فيه مشروعية لفعلهم، حتى انتهى ذلك الغلو إلى دماء تسيل في أقدس بقاعه. وبين جهيمان والحوثيين اختلاف في المذهب والتاريخ والسياق، إلا أن اختلاف الطريق لا يمحو ما انتهت إليه الحال في الحالتين: هتك حرمة المقدسات واستباحة دماء المسلمين حين غلبت الغاية كل قيد.

ولا تقف واقعة مكة عند الخلاف حول نية الاستهداف، مع بقاء هذا الخلاف جزءا من توصيف الحدث، بل تفتح سؤالا أسبق: ماذا يبقى من المرجعية حين تصبح الغاية أقدر منها على تحديد ما يجوز وما لا يجوز؟ تستدعي مكة ذاكرتها من غير حاجة إلى القول إن التاريخ يعيد نفسه؛ فالأسماء والعقائد والظروف تتغير، بينما تبقى لحظة تغلب المشروع على الحدود التي أعلن الإيمان بها واحدة من أخطر وجوه التطرف.

ومكة ليست معزولة عن خط الأنابيب أو باب المندب أو المدن السعودية التي طالتها الاعتداءات، وإن انفردت بما تحمله من قداسة ومكانة. وما يصل هذه الوقائع بعضها ببعض أن الخطر لا يقف عند الضرر المادي الذي يستطيع إحداثه، بل يحاول أن يمتد إلى قرار الدولة وزمنها؛ وعندئذ لا يقاس أثر السلاح بما أصابه في لحظته فقط، بل بما إذا استطاع أن يغير شيئا من الطريق الذي اختارته المملكة لنفسها.

وتتداخل التنمية بالأمن هنا على نحو يصعب معه الفصل بينهما. فرؤية المملكة 2030 لم تنتظر اضطراب الإقليم حتى تبحث عن بدائلها، بل مضت منذ انطلاقها في توسيع خيارات الدولة؛ اقتصاد أكثر تنوعا، وممرات متعددة للطاقة والتجارة، وشراكات أوسع، واستثمارات تنظر إلى عقود مقبلة، ومؤسسات عززت قدرتها على الحركة. ولهذا لا تواجه السعودية أحداث اليوم من داخل اللحظة التي صنعها خصومها، بل من داخل مشروع سبق تلك اللحظة وبنى من البدائل ما يجعل استمرار الدولة أبعد من قدرة أي طرف على تقييد زمنها.

ما تحقق خلال سنوات الرؤية لم يكن منفصلا عن الزمن، بل صنع قيمته داخله؛ فالصناعة التي اتسعت تحتاج إلى مواصلة توسعها، والاستثمارات التي جذبتها المملكة تنظر إلى أفق أطول من لحظة دخولها، والسياحة التي رسخت حضورها العالمي تبني على ما تحقق لتوسيع أثرها، فيما تواصل التحولات التعليمية والاجتماعية والمؤسسية إنتاج نتائجها في حياة الناس. وهكذا لا يكون الزمن انتظارًا للمنجز، بل المجال الذي تتضاعف فيه قيمة ما أنجز بالفعل.

أظهرت سنوات التحول أن المملكة لم تربط مستقبلها بخيار واحد ولا بمسار واحد ولا بظرف إقليمي واحد؛ ولذلك لا يستطيع الحوثي، مهما حاول رفع كلفة اللحظة، أن يجعلها هي الزمن الذي تعيش داخله الدولة. قد يستهدف منشأة أو ممرا، وقد يفرض على المشهد قدرا من الضجيج، لكنه يواجه دولة سبقت أزمته إلى بناء خياراتها وحددت وجهتها قبل أن يحاول هو فرض توقيته عليها.

وتظهر قيمة القوة في إبقاء هذا الزمن بيد الدولة. قد تعترض الدفاعات صاروخا أو مسيرة، وقد تعود منشأة إلى عملها، وقد يضطرب ممر ثم يستعيد حركته، إلا أن الأهم أن تبقى الأزمة في حدودها، وألا تنتقل من موقع أصابه الخطر إلى جدول الدولة نفسه. وحين تواصل السعودية بناء ما خططت له قبل الاعتداء وبعده، يكون الحوثي قد أخفق فيما هو أبعد من إصابة هدف؛ أخفق في أن يجعل لحظته هي اللحظة التي تعيش المملكة على إيقاعها.

اختيار توقيت القوة جزء من امتلاكها؛ فالدولة التي تتحرك كلما اختار خصمها استفزازها تمنحه، من حيث لا تريد، شيئا من حق تحديد موعد قرارها. أما حين تملك القدرة على الرد وتحتفظ في الوقت نفسه بحق اختيار اللحظة والغاية، فإنها تجعل القوة أداة للسياسة لا بديلا عنها. ولهذا لا يتعارض الحوار مع الحزم، ولا خفض التصعيد مع الردع؛ فالقيمة ليست في ارتفاع النبرة، بل في بقاء القرار بيد الدولة وقدرتها على استخدام ما تملكه في الوقت الذي يخدم غايتها.

ويحضر اليمن هنا بوصفه دولة قبل أن يكون ساحة مواجهة. فالمعضلة لا تتصل باليمنيين ولا بأرض اليمن، وإنما باللحظة التي تستطيع فيها جماعة مسلحة أن تستحوذ على بعض وظائف الدولة، فتجمع السلاح والساحل والميناء وقرار التصعيد في يد واحدة، ثم تستخدم ذلك في صراع يتجاوز الداخل اليمني نفسه. عندها لا تبقى المسألة عسكرية فقط؛ لأن قرار الحرب والسلم يفقد جزءا من طبيعته الوطنية حين يصبح موزعا بين مؤسسات الدولة وقوة موازية لها.

ولا يختصر الحوثي اليمن، كما لا تختزل جماعة مسلحة تاريخ بلد ومجتمعه ودولته. فاليمن في الحساب السعودي جار وشريك في استقرار المنطقة، وتجمعه بالمملكة روابط تاريخية واجتماعية ومصالح تتجاوز ظرف الحرب. ومن هذه الحقيقة تبدو مصلحة البلدين متصلة بيمن مستقر، قادر على إدارة شؤونه وصون سيادته، وأن يبقى قرار الحرب والسلم داخل مؤسساته الوطنية.

ويمن يستعيد كامل قراره داخل مؤسساته هو الأقرب إلى مصلحة أبنائه وإلى أمن جواره معا؛ فاستقرار الدولة في أرضها وموانئها وحدودها لا يحمي اليمن وحده، بل يعيد للعلاقة السعودية اليمنية طبيعتها التي صنعتها الجغرافيا والتاريخ: جوار يقوم على الأمن والمصلحة المتبادلة، واتصال بشري واقتصادي أوسع بكثير من أن تختصره سنوات الحرب أو تختطفه جماعة مسلحة.

ولذلك حملت مباحثات سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة يوم الخامس عشر من سبتمبر تأكيدا على أمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب بحث تطورات اليمن والمنطقة. ففي زمن تضطرب فيه طرق التجارة والطاقة، لا يبقى الممر البحري مجرد مساحة بين ضفتين، بل يمتد أثره إلى اقتصادات وشعوب بعيدة عن موقع الأزمة، ويغدو أمنه جزءا من استقرار تتجاوز مصالحه حدود الدول المطلة عليه.

ولا يكتمل الردع بمنع الهجوم التالي وحده، بل بتضييق المجال الذي يسمح له بالعودة. فكلما تعزز حضور الدولة، وتراجعت سلطة السلاح الموازي، وصعب استخدام الساحل أو الميناء أو الممر أداة ضغط، فقدت الجماعة المسلحة جزءا من قدرتها على إعادة إنتاج الخطر، وانتقلت المواجهة من ملاحقة نتائجه إلى الحد من الشروط التي تمنحه القدرة على التكرار.

وفي هذه الصورة لا تبدو مكة وخط الأنابيب وباب المندب واليمن وقائع متفرقة، مع اختلاف مكانتها ودلالتها؛ إذ يحاول الاضطراب مرة أن ينفذ عبر الطاقة، ومرة عبر الممرات، ومرة عبر جغرافيا ينازع فيها السلاح مؤسسات الدولة، ثم يبلغ جوار مكة حيث لا يبقى المكان قابلا للقراءة بمنطق عسكري مجرد. وما يجمع ذلك كله ليس نوع الهدف، بل محاولة نقل أثر السلاح من الموقع الذي يبلغه إلى حساب الدولة وقرارها.

ولهذا لا يستوفي سؤال «كيف سترد السعودية؟» حقيقة ما يجري؛ فالرد يتعلق بما حدث، أما السيادة فتتصل بما لا ينبغي أن يتغير بسببه. أن يبقى القرار سعوديا، والأولويات في موضعها، والمشروع ماضيا في توقيته الذي اختارته المملكة، وألا يكتسب من يحدد لحظة الهجوم حقا آخر في تحديد الساعة التي تتحرك عليها الدولة بعده.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - لم يعد الأمن والتنمية مسارين متجاورين داخل المشروع الوطني؛ فالاقتصاد وسع خيارات القرار، والعلاقات فتحت مجالات أرحب للحركة، والقدرة الدفاعية تحمي ما على أرضها وفي سمائها، والدبلوماسية تحفظ للدولة مجالها السياسي حتى في أشد لحظات التوتر. وقد سبقت رؤية المملكة 2030 أزمات اليوم إلى بناء هذه الخيارات، فلم تنتظر الخطر حتى تبحث عن طريق تسلكه بعده.

وقد يملك الخصم لحظة إطلاق صاروخه أو مسيرته، لكنه لا يملك ما بعدها؛ فالمملكة التي سبقت الخطر إلى بناء خياراتها لا تعيد ترتيب مستقبلها على توقيت خصمها. تبقى المقدسات مصونة، والقرار مستقلا، والبناء ماضيا في موعده، فيما يظل ما بعد لحظة الاعتداء سعوديا: القرار، والاتجاه، والموعد الذي اختارته المملكة لمستقبلها.