حضرت خلال الأيام الماضية حلقة علمية عقدت في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بعنوان «دور الأمن الإعلامي في تعزيز الأمن المجتمعي». وكان هذا الموضوع الحيوي فرصة للتعرف عن قرب على أحد المفاهيم التي أخذت تحظى باهتمام متزايد في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، من خلال الاستماع إلى عدد من الخبراء والمتخصصين الذين تناولوا أبعاده المختلفة وتحدياته المتنامية.

دُهشت حين بدا جلياً من النقاشات أن الأمن الإعلامي لم يعد مفهوماً مرتبطاً بالمؤسسات الإعلامية فحسب، وإنما أصبح جزءاً من منظومة الأمن المجتمعي الشامل. فمع التحول الرقمي واتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، باتت المعلومات تنتقل إلى ملايين الأشخاص خلال لحظات، وأصبحت الشائعة أو المعلومة المضللة قادرة على التأثير في الرأي العام وإثارة القلق المجتمعي، وقد تمتد آثارها إلى القرارات والسلوكيات اليومية للأفراد.

ولا ننسى ما حصل في جائحة كورونا حين انتشرت معلومات غير دقيقة حول الفيروس وطرق علاجه واللقاحات المرتبطة به، ما دفع العديد من المنظمات الدولية إلى التحذير من خطورة التضليل الإعلامي على الصحة العامة.


والفبركة الرقمية التي تصاعدت في الفترة الحالية من خلال إنتاج صور ومقاطع فيديو يصعب أحياناً على المتلقي العادي التحقق من صحتها، الأمر الذي زاد من أهمية بناء الوعي الإعلامي وتعزيز مهارات التحقق من المعلومات.

وهذا ما دعا الأمم المتحدة من التحذير في تقريرها حول مكافحة التضليل الإعلامي من أن المعلومات المضللة باتت تؤثر على الصحة العامة والاستجابة للأزمات والسلم المجتمعي، مؤكدة أن مواجهتها لا تعتمد على المنع وحده، وإنما على رفع الوعي وتعزيز القدرة على التحقق من المعلومات ومصادرها، باعتبار ذلك أحد أهم أدوات الحماية في العصر الرقمي.

ولم يأتِ الاهتمام بالأمن الإعلامي في المملكة العربية السعودية بمعزل عن التحول الرقمي الذي تشهده البلاد في إطار رؤية 2030، فتزامن مع بناء منظومة متكاملة لحماية الفضاء المعلوماتي وتعزيز موثوقية المحتوى. وجرى تطوير الأنظمة ذات العلاقة بالجرائم المعلوماتية وحماية البيانات، إلى جانب تعزيز أدوار مؤسسات وطنية محورية مثل الهيئة الوطنية للأمن السيبراني والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، بوصفها ركائز أساسية في إدارة الفضاء الرقمي وحوكمته.

وتتعامل الجهات المختصة في المملكة مع قضايا التضليل الإعلامي والمحتوى الرقمي غير الموثوق، بوصفها مخالفات تمس ثقة المستهلك وسلامة البيئة الرقمية، وليست مجرد تجاوزات عابرة. ويأتي ذلك ضمن إطار تشريعي ورقابي متكامل يهدف إلى ضبط المحتوى الإعلاني الإلكتروني، ومكافحة الممارسات الخادعة في المنصات الرقمية، وتعزيز الشفافية في السوق الرقمية، بما يحمي المستخدم ويعزز موثوقية المعلومات المتداولة.

وتؤكد الجهات المشرفة على قطاعات الإعلام والاتصالات والتجارة في المملكة أن تعاملها مع المحتوى المضلل لا يقتصر على التوجيه أو التحذير، وإنما يمتد إلى إجراءات نظامية وعقوبات رادعة بحق المخالفين، بما يضمن حماية المجتمع من آثار المعلومات غير الموثوقة، وترسيخ بيئة رقمية أكثر انضباطاً وثقة.

ومهما بلغت هذه الجهود من قوة وتشريعات، تبقى جزءاً من المعادلة فقط. فالأمن الإعلامي في جوهره لا يتحقق بالأنظمة وحدها، وإنما يقوم على وعي الفرد وقدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف. فالمجتمع الذي يستهلك المعلومات دون تمحيص يظل عرضة للتأثر مهما كانت قوة المنظومة المحيطة به.

ومن هنا خرجنا من الحلقة العلمية بقناعة واضحة: أن الأمن الإعلامي امتداد طبيعي للأمن المجتمعي، لا يتحقق بمعزل عن تكامل المؤسسات وترابط أدوارها. في زمن تتسارع فيه المعلومات وتتشعب أدوات التأثير، باتت حماية الوعي العام مسؤولية لا تقل أهمية عن أي ركيزة أمنية أخرى، وتحتاج إلى معادلة تجمع بين التنظيم والتشريع من جهة، والوعي النقدي للفرد من جهة أخرى.