ومع ذلك، فإن مفهوم الإنتاجية لم يكن دائمًا واضحًا أو عادلاً في كثير من بيئات العمل. فبعض الموظفين اعتادوا ربط الإنتاجية بكثرة الانشغال، أو بعدد الساعات التي يقضونها في العمل، أو بكمية المراسلات والاجتماعات والتقارير التي ينجزونها يوميًا. وفي كثير من الأحيان تتحول الأعمال الروتينية والإجراءات المتكررة إلى وسيلة لإثبات الجهد المبذول أكثر من كونها وسيلة لتحقيق نتائج حقيقية. ويصبح الموظف حريصًا على إظهار انشغاله الدائم خشية المساءلة أو اتهامه بالتقصير، حتى لو لم يكن هذا الانشغال مرتبطًا بقيمة فعلية للمؤسسة.
وفي المقابل، تنتشر في بعض البيئات المهنية عبارة تلخص جانبًا من الثقافة السلبية تجاه الإنتاجية: "تشتغل كثير، تغلط كثير، تتعاقب كثير". وهي عبارة تعكس مخاوف بعض الموظفين من المبادرة والاجتهاد والابتكار، لأن زيادة الجهد والعمل قد تقود إلى مزيد من الأخطاء ومن ثم مزيد من المساءلة. ونتيجة لذلك يفضل البعض البقاء داخل المنطقة الآمنة، والالتزام بالحد الأدنى من المتطلبات الوظيفية، وتجنب أي محاولة لتطوير العمل أو تحسينه.
لكن ظهور الذكاء الاصطناعي يفرض اليوم سؤالًا جديدًا ومهمًا: هل سيزيد الذكاء الاصطناعي من إنتاجية الموظف، أم سيضيف له عبئًا جديدًا؟
من الخطأ الاعتقاد بأن مجرد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي سيؤدي تلقائيًا إلى زيادة الإنتاجية. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل أداة تعتمد في فعاليتها على طريقة استخدامها. وكما أن امتلاك الحاسب الآلي لم يجعل الجميع أكثر إنتاجية، فإن امتلاك أدوات الذكاء الاصطناعي لن يحقق النتائج المرجوة ما لم تُستخدم بصورة صحيحة.
إن الموظف الذي يفتقر إلى المعرفة الأساسية بمجال عمله لن يصبح خبيرًا بمجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، كما أن الموظف الذي لا يمتلك مهارات التفكير والتحليل واتخاذ القرار لن تتحول أعماله تلقائيًا إلى أعمال ذات قيمة عالية. فالذكاء الاصطناعي لا يلغي أهمية الإنسان، بل يعزز قدرته على الإنجاز عندما يمتلك الأساس المهني السليم.
أحد أهم التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي يتمثل في انتقال دور الموظف من منفذ للمهام إلى مدير للمهام. ففي السابق كان الموظف يقضي ساعات طويلة في إعداد التقارير، والبحث عن المعلومات، وتحليل البيانات، وصياغة الخطابات والعروض التقديمية. أما اليوم، فأصبح بإمكان أدوات الذكاء الاصطناعي إنجاز جزء كبير من هذه الأعمال خلال دقائق معدودة.
وهنا لا تكمن القيمة في قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ المهمة، بل في قدرة الموظف على توجيهه ومراجعة مخرجاته وتوظيفها لتحقيق أهداف العمل. فالموظف المنتج في المستقبل لن يكون بالضرورة الأكثر عملًا، بل الأكثر قدرة على استخدام التقنية لتحقيق نتائج أفضل في وقت أقل.
إعادة تعريف مفهوم الإنتاجية
اعتادت بعض المؤسسات قياس الإنتاجية من خلال مؤشرات كمية تقليدية مثل عدد المعاملات المنجزة أو عدد ساعات العمل أو حجم المخرجات. إلا أن الذكاء الاصطناعي يدفعنا إلى إعادة النظر في هذه المقاييس.
فإذا استطاع موظف إعداد تقرير خلال ساعة باستخدام الذكاء الاصطناعي بينما كان يحتاج سابقًا إلى يوم كامل، فهل يعني ذلك أنه أصبح أقل إنتاجية لأنه عمل ساعات أقل؟ أم أنه أصبح أكثر إنتاجية لأنه وفر الوقت وحقق النتيجة نفسها أو أفضل منها؟
الحقيقة أن الإنتاجية في عصر الذكاء الاصطناعي ستقاس بالقيمة المضافة لا بالجهد المبذول، وبالنتائج المحققة لا بعدد الساعات المستغرقة.
العلاقة الجديدة بين الموظف والذكاء الاصطناعي
يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره شريكًا رقميًا للموظف. فهو يساعد على:
جمع المعلومات وتحليلها.
إعداد التقارير والعروض.
تلخيص الوثائق الطويلة.
توليد الأفكار والحلول.
دعم اتخاذ القرار.
أتمتة الأعمال الروتينية.
وبذلك يصبح الموظف قادرًا على تخصيص وقت أكبر للمهام ذات القيمة العالية مثل التفكير الإستراتيجي، وحل المشكلات المعقدة، وبناء العلاقات، والابتكار.
مسؤولية المديرين في المرحلة القادمة
إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على رفع الإنتاجية، فإن تحقيق ذلك لن يحدث تلقائيًا. وهنا يأتي الدور الحاسم للمديرين والقادة.
فالمطلوب من المدير اليوم ليس فقط متابعة أداء الموظفين، بل مساعدتهم على بناء نموذج عمل جديد يجمع بين:
معرفة الموظف + مهارات الموظف + قدرات الذكاء الاصطناعي
إن المدير الناجح هو الذي يستطيع تحديد الأعمال التي يجب أن يؤديها الإنسان، والأعمال التي يمكن أن تنفذها التقنية، ثم بناء تكامل فعّال بين الطرفين.
كما يجب على المؤسسات إعادة تصميم مؤشرات الأداء بحيث تقيس النتائج والقيمة المضافة، لا مجرد الانشغال أو كثرة الأنشطة. فالذكاء الاصطناعي قد يقلل عدد الساعات اللازمة لإنجاز العمل، لكنه في الوقت نفسه يزيد جودة المخرجات وسرعة الإنجاز.
الخطر الحقيقي ليس الذكاء الاصطناعي
كثيرًا ما يُطرح سؤال: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الموظفين؟
لكن السؤال الأكثر دقة هو: هل سيستبدل الموظف الذي لا يستخدم الذكاء الاصطناعي بالموظف الذي يجيد استخدامه؟
التجارب العالمية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل البشر بقدر ما يستبدل أساليب العمل التقليدية. فالموظفون الذين يتعلمون كيفية توظيف هذه التقنيات سيصبحون أكثر قدرة على المنافسة وأكثر قيمة لمؤسساتهم، بينما قد يجد الذين يرفضون التكيف أنفسهم خارج دائرة التأثير.
الذكاء الاصطناعي لا يزيد إنتاجية الموظف تلقائيًا، لكنه يوفر فرصة غير مسبوقة لرفعها إلى مستويات لم تكن ممكنة من قبل. فالقيمة الحقيقية لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في قدرة المؤسسة على دمج خبرة الإنسان مع قدرات الذكاء الاصطناعي في منظومة عمل واحدة.
وفي المستقبل القريب لن يكون السؤال: "هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟" بل سيكون: "إلى أي مدى استطعت أن توظف الذكاء الاصطناعي لتحويل وقتك وجهدك إلى قيمة حقيقية؟".
وعندها ستنتقل المؤسسات من ثقافة الانشغال بالعمل إلى ثقافة تحقيق النتائج، ومن قياس الجهد المبذول إلى قياس القيمة المضافة، وهو التحول الذي قد يمثل أعظم أثر للذكاء الاصطناعي في عالم العمل والإنتاجية.
وهذا يقودنا إلى إعادة صياغة العبارة المذكورة أعلاه لتصبح: تشتغل كثير، تغلط كثير، تتعلم أكثر...