ولكل زمنٍ رائحةٌ تخصه؛ للصباحات الأولى رائحةٌ لا تشبهها صباحات العمر الأخيرة، وللبيوت وهي عامرةٌ بأهلها عبيرٌ لا يعرفه الحجر بعد أن يخلو، وللمدن وهي في طفولتها نسيمٌ لا يبقى فيها حين تشيخ. حتى الفصول لا يميزها البصر كما تميزها الرائحة؛ فالربيع لا يعلن قدومه بالألوان وحدها، بل بشيءٍ يسري في الهواء، كأن الأرض قد فتحت قلبها دفعةً واحدة.
ولعل الرائحة هي اللغة الوحيدة التي لم يتعلم الزمن كيف يكذب بها. فالصور قد تخدع؛ إذ يزينها الحنين أو يشوهها النسيان، والكلمات قد تبدل معانيها كلما تداولتها الألسنة، أما الرائحة، فإنها إذا عادت، أعادت معها الزمن كما كان، لا كما أحببناه أن يكون. إنها لا تستدعي الذكرى، بل تستدعي اللحظة نفسها؛ حتى ليخال المرء أن الأعوام لم تنقض، وإنما كانت مختبئةً في ذرةٍ من هواء.
ومن هنا كان الغياب لا يبدأ حين ترحل الأشياء، وإنما حين تفقد رائحتها. فما أكثر الأماكن التي بقيت جدرانها قائمة، ولكن الزمن الذي كان يسكنها قد غادرها، فلم يعد فيها إلا فراغٌ يتنكر في هيئة بيت. وكأن الأمكنة لا تعيش بما يُشاد فيها من حجارة، بل بما يترسب فيها من أعمار.
وإذا كانت الساعة تقيس الزمن بالدقائق، فإن الذاكرة تقيسه بالعبير. فقد تمحو من العمر أعوامًا بأكملها، ثم تحفظ لحظةً واحدة لأنها كانت مشبعةً برائحةٍ لم تتكرر. وما أعجب الذاكرة؛ فإنها قد تنسى الوجوه، ثم لا تنسى الهواء الذي كان يحيط بها، كأن الزمن لم يكتب تاريخه على الجدران، بل كتبه على ما لا يُرى.
ولذلك لا يرحل الماضي كله. إن شيئًا منه يظل هائمًا في الأرجاء، ينتظر مصادفةً صغيرة؛ نافذةً فُتحت، أو مطرًا هطل، أو ترابًا ابتل، أو كتابًا عتيقًا أُزيح عنه الغبار، حتى إذا انبعثت الرائحة، خرج الزمن من مخبئه، وعاد العمر كله في لحظةٍ لا تتسع لها الساعة، ولكن يتسع لها القلب.
وليس هذا من شأن الذاكرة وحدها، بل من شأن الزمن نفسه؛ فإنه لا يحب أن يُدرك بالعقل المجرد، وإنما يترك نفسه مبعثرةً في تفاصيل الوجود؛ في خشبٍ أكلته الشمس، وفي ورقٍ أصفرَّ من طول المقام، وفي أرضٍ ارتوت أول المطر، وفي ثوبٍ احتفظ بصاحبه بعد أن غاب صاحبه عنه. فكأن الزمن لا يكتب سيرته بالحوادث، بل بما تتركه الحوادث من أثرٍ لا تلتقطه العين.
ولعل الأشياء لا تفنى يوم تغيب، وإنما يوم تفقد رائحتها؛ فإذا انطفأ عبيرها، انطفأ الزمن الذي كان يقيم فيها، وصارت ذكرى بلا نبض، وصورةً بلا روح. أما ما بقيت له رائحة، فقد بقي له شيءٌ من الحياة، وإن مضت عليه القرون.
وهكذا يظل الزمن، في أعمق صوره، عطرًا لا يُحفظ في قارورة، ولا يُقاس بعقرب ساعة، ولا يُدرك بحساب السنين. إنه يسكن ما لا يُرى، ويعبر ما لا يُلمس، ويقيم حيث تعجز اللغة عن الإقامة.
ولذلك، فإن الراحلين وحدهم لا يشمون رائحة الزمن لأنهم غادروا الأمكنة، بل لأنهم أدركوا أن الزمن لا يمر على الأشياء، وإنما يستقر فيها؛ فإذا فارقوها، عرفوا أن ما كان يؤنسهم لم يكن الجدران، ولا الطرق، ولا الأشجار... وإنما ذلك العطر الخفي الذي لم ينتبهوا إليه إلا بعد أن صار غيابًا.