ما بين مقاطع اعتداء على متهمين بالتورط في جرائم النظام السابق التي انتشرت خلال الأيام الماضية في محافظات سورية، وبين مطالب المحتجين بمحاسبة المتورطين، تقف سوريا أمام أحد أكثر أسئلة المرحلة الانتقالية حساسية: كيف يمكن تحقيق العدالة دون أن تتحول إلى انتقام؟

الاحتجاجات التي خرجت في محافظات عدة بينها دير الزور وريف دمشق وحلب وإدلب لم تكن عابرة أو ردود فعل آنية. فخلفها عائلات لا تزال تبحث عن أبنائها منذ سنوات، وأمهات لا يعرفن حتى اليوم أين دفن أبناؤهن، وآلاف من الذين لم يحصلوا بعد على إجابة واضحة بشأن مصير أحبائهم. وبعد أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد، لا يزال كثيرون يشعرون أن العدالة لم تصل بعد إلى المستوى الذي يتناسب مع حجم المأساة التي عاشتها البلاد.

ولا يبدو هذا الشعور مستغربًا. فالسوريون لا يتحدثون عن عشرات أو مئات، بل عن آلاف الضحايا والمفقودين والمعتقلين، وعن إرث ثقيل من الانتهاكات يمتد لعقود، لذلك فإن المطالبة بالمحاسبة ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل أخلاقي وإنساني أيضًا.


لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الغضب إلى أداة لتحقيق العدالة بطريقة فردية، ففي اللحظة التي يصبح فيها الشارع هو من يحدد المتهم ويصدر الحكم وينفذ العقوبة، تنتقل القضية من العدالة إلى إطار آخر مختلف تمامًا. قد يشعر البعض أن ذلك يشكل انتصارًا للضحايا، لكنه في الواقع يهدد بتحويل حق مشروع إلى فوضى مفتوحة، ويمنح الآخرين لاحقًا الحق ذاته في ممارسة العدالة وفق تقديراتهم.

لهذا جاء موقف وزارة الداخلية واضحًا خلال الأيام الماضية، حين أكدت أن المحاسبة مسؤولية الدولة ومؤسساتها، وأن ملاحقة المتورطين بجرائم النظام السابق مستمرة، مع رفض أي ممارسات انتقامية خارج إطار القانون. وفي المؤتمر الصحفي الأخير للمتحدث باسم الوزارة، جرى التأكيد على أن العدالة لا تبنى على الانفعال أو الثأر، وأن حقوق الضحايا يجب أن تُستعاد عبر القضاء والأدلة، لا عبر الشائعات أو الفوضى.

لا يمكن القول إن ملف المحاسبة متوقف، إذ كشفت بيانات وزارة الداخلية الأسبوع الماضي حصيلة عام ونصف من الملاحقة أسفرت عن توقيف أكثر من 3500 مسؤول عسكريًا، كما أكدت إلقاء القبض على مسؤولين متهمين بالتورط في انتهاكات جسيمة بحق السوريين، إضافة إلى تفكيك خلايا مرتبطة بالنظام السابق متهمة بالتورط في أعمال أمنية استهدفت مدنيين.

لكن السؤال الذي يطرحه كثير من السوريين يبقى قائمًا: لماذا يبدو مسار العدالة بطيئًا؟

الإجابة قد لا تعجب الضحايا، لكنها حقيقة أثبتتها كل التجارب المشابهة حول العالم، فالعدالة الانتقالية لا تتحقق بسرعة الأحداث السياسية نفسها، ولا تُقاس بإيقاع الشارع أو وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها عملية طويلة ومعقدة تتطلب جمع الأدلة، والاستماع إلى الشهادات، والتحقيق في آلاف الملفات، وضمان محاكمات عادلة لا تترك مجالًا للتشكيك في نتائجها.

وتكفي نظرة سريعة إلى التجارب الدولية لفهم حجم التحدي. ففي رواندا انتهت الإبادة الجماعية عام 1994 بعد مقتل أكثر من 800 ألف شخص خلال نحو مئة يوم فقط. وفي العام نفسه أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، لكن أولى المحاكمات لم تبدأ فعليًا إلا بعد سنوات، واستمرت أعمال المحكمة حتى عام 2015. أي أن مسار العدالة استغرق أكثر من عشرين عامًا.

وفي يوغسلافيا السابقة، بدأت الحروب عام 1991، وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بجرائم الحرب عام 1993، لكنها لم تغلق أبوابها إلا في نهاية عام 2017، بعد 24 عامًا من العمل القضائي المتواصل، وبالتالي فإن بعض المسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بجرائم كبرى صدرت بحقهم أحكام نهائية بعد سنوات طويلة من انتهاء النزاع.

لم يكن ذلك نتيجة تهاون أو تقصير، بل لأن العدالة الحقيقية تحتاج وقتا، فالمحاكم لا تبني أحكامها على الانطباعات، بل على الأدلة والوثائق والشهادات والتحقيقات.

والحالة السورية أكثر تعقيدًا من كثير من التجارب السابقة. فإلى جانب العدد الهائل من الضحايا والمفقودين، تمتد الانتهاكات لعقود طويلة، وتشمل القتل والتعذيب والإخفاء القسري والتهجير والحصار وغير ذلك من الجرائم التي تحتاج إلى توثيق وتحقيق ومحاسبة. ولذلك فإن اختزال العدالة في توقيف هذا الشخص أو ذاك لن يكون كافيًا لتحقيق الإنصاف الذي يتطلع إليه السوريون.

ما تحتاجه سوريا اليوم ليس التراجع عن مطلب المحاسبة، بل العكس تمامًا، تسريع مسار العدالة الانتقالية، وإقرار التشريعات اللازمة، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية، وإشراك الضحايا في هذا المسار، والأهم بناء ثقة عامة بأن القانون قادر على الوصول إلى المجرمين مهما طال الزمن.

لقد دفعت سوريا ثمنًا باهظًا للخروج من دولة كان القانون فيها أداة بيد السلطة، وما يحتاجه السوريون اليوم هو بناء دولة يكون القانون فيها مرجعًا للجميع، لا استبدال ظلم قديم بفوضى جديدة.

قد تتأخر العدالة، وقد لا تأتي بالسرعة التي يتمناها الضحايا، لكن التجارب أثبتت أن العدالة التي تُبنى على القانون تبقى، أما العدالة التي تُبنى على الغضب فلا تلبث أن تتحول إلى موجة جديدة من الظلم والعنف.

ولهذا فإن السؤال المطروح اليوم كيف يمكن المحاسبة بطريقة تحمي حق الضحايا وتحفظ في الوقت نفسه قيم العدالة وتضمن عدم الظلم، وفي هذه المعادلة تحديدًا، يصبح القانون ليس عقبة أمام العدالة، بل شرطها الأول.