التعليم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها الأمم في بناء حاضرها وصناعة مستقبلها، وهو المعيار الحقيقي الذي تقاس به قدرة الدول على المنافسة وتحقيق التنمية المستدامة. ومن هذا المنطلق حظي التعليم في المملكة العربية السعودية باهتمام كبير منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - وصولاً إلى هذا العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ومتابعة ودعم صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء - حفظهما الله - حيث جعلت رؤية المملكة 2030 تنمية القدرات البشرية ورفع جودة التعليم أحد أهم مستهدفاتها الاستراتيجية.

وخلال العقود الماضية شهدت المنظومة التعليمية في المملكة العديد من التحولات التنظيمية والإدارية، كان من أبرزها الفصل بين التعليم العام والتعليم العالي في مرحلة من المراحل، ثم إعادة دمجهما تحت مظلة وزارة واحدة بهدف تعزيز التكامل وتحقيق كفاءة أكبر في التخطيط والإدارة. ومع استمرار جهود التطوير وإعادة هيكلة عدد من القطاعات الحكومية، وتقليص الهياكل الإدارية ورفع كفاءة الإنفاق، تبرز أهمية دراسة تعزيز دور التعليم العالي في قيادة وتطوير التعليم العام، سواء من خلال مظلة إشرافية أكثر تكاملاً أو عبر شراكة أكاديمية أعمق تسهم في رفع جودة المخرجات التعليمية وربطها باحتياجات التنمية الوطنية ومتطلبات المستقبل.

الجامعات ليست مجرد مؤسسات تستقبل خريجي التعليم العام، بل هي جهات أكاديمية وبحثية متخصصة تمتلك أدوات القياس والتحليل والدراسة العلمية. وهي أول من يلامس نتائج التعليم العام بصورة مباشرة من خلال الطلاب الذين ينتقلون من مقاعد الدراسة المدرسية إلى القاعات الجامعية. ولذلك فإن الجامعات تمتلك رؤية واضحة حول مستوى المخرجات التعليمية، وما يواجهه الطلاب من فجوات معرفية أو مهارية أو لغوية أو بحثية عند انتقالهم إلى التعليم العالي.


ومن هنا تبرز أهمية منح الجامعات دوراً أكبر في رسم سياسات التعليم العام وتطويره، لأن الجهة التي تستقبل المخرجات هي الأقدر على تقييم جودتها وتحديد احتياجاتها الحالية والمستقبلية. فالجامعات تدرك التخصصات التي يحتاجها سوق العمل، وتعرف المهارات المطلوبة في الاقتصاد الحديث، وتتابع المؤشرات العالمية المتعلقة بالتعليم والبحث والابتكار، الأمر الذي يجعل مساهمتها في تطوير التعليم العام ذات قيمة كبيرة.

كما تضم الجامعات السعودية كليات التربية ومراكز الدراسات التربوية والبحثية، إضافة إلى نخبة من المتخصصين في المناهج وطرق التدريس والقياس والتقويم والإدارة التعليمية وعلم النفس التربوي وتقنيات التعليم. وهذه الخبرات العلمية تمثل ثروة وطنية يمكن الاستفادة منها بصورة أوسع في معالجة التحديات التعليمية وتطوير الأداء داخل المدارس، بما ينعكس إيجاباً على جودة العملية التعليمية ورفع مستوى نواتج التعلم.

ومن الجوانب المهمة كذلك أن الجامعات هي الجهة التي تتولى إعداد المعلمين وتأهيلهم قبل التحاقهم بالميدان التعليمي، وبالتالي فإن استمرار ارتباطها بالمعلم بعد تخرجه من خلال برامج التطوير المهني والتدريب المستمر والمتابعة العلمية قد يسهم في رفع مستوى الأداء التعليمي داخل الفصول الدراسية، ويعزز من جودة الممارسات التعليمية بما ينعكس على مستوى التحصيل الدراسي للطلاب.

ولعل المتابع للمشهد التعليمي يلاحظ اليوم أن الجامعات أصبحت شريكاً رئيساً في العديد من البرامج والمبادرات الوطنية الهادفة إلى تقويم التعليم وقياس نواتج التعلم، وذلك من خلال شراكتها مع هيئة تقويم التعليم والتدريب التي تقوم بأدوار مهمة في تقييم المدارس وقياس الأداء التعليمي ودراسة البيئة المدرسية والقيادة المدرسية ومؤشرات التحصيل والتعلم. وهذه الشراكات تؤكد أن الجامعات تمتلك القدرة والخبرة للمشاركة بصورة أعمق في تطوير التعليم العام، وأن العلاقة بين الجانبين أصبحت أكثر ترابطاً مما كانت عليه في السابق.

كما أن المرحلة الحالية تتطلب الانتقال من مفهوم إدارة التعليم إلى مفهوم قيادة التعليم المبنية على المعرفة والبحث العلمي. فالتعليم لم يعد مجرد لوائح وإجراءات إدارية، بل أصبح منظومة متكاملة تعتمد على الدراسات والبيانات والمؤشرات وقياس الأثر وتحليل النتائج. وهذه كلها مجالات تعد الجامعات البيئة الطبيعية القادرة على قيادتها وتطويرها بما تمتلكه من إمكانات بحثية وأكاديمية متقدمة.

ومن المهم التأكيد أن الحديث عن جعل التعليم العام تحت مظلة التعليم العالي لا يعني بالضرورة العودة إلى نماذج تنظيمية سابقة أو إلغاء الأدوار القائمة حالياً، وإنما المقصود هو البحث عن النموذج الأمثل الذي يحقق التكامل بين مراحل التعليم المختلفة، ويجعل المدرسة والجامعة تعملان ضمن منظومة واحدة تسعى لتحقيق هدف مشترك يتمثل في إعداد الطالب وتأهيله للحياة الجامعية وسوق العمل والمشاركة الفاعلة في التنمية الوطنية.

كما أن تعزيز العلاقة بين التعليم العام والتعليم العالي قد يسهم في بناء مسارات تعليمية أكثر وضوحاً للطلاب، وربط المناهج الدراسية بالاحتياجات الفعلية للتخصصات الجامعية، وتوجيه الجهود نحو تنمية المهارات المستقبلية التي تتطلبها الثورة الصناعية الرابعة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، وهي جميعها مجالات تمثل جزءاً أساسياً من مستهدفات رؤية المملكة 2030.

نجاح أي منظومة تعليمية لا يقاس بعدد المدارس أو الجامعات، بل يقاس بجودة مخرجاتها وقدرتها على المنافسة والإبداع والإنتاج. ومن هذا المنطلق فإن تعزيز التكامل بين التعليم العام والتعليم العالي، ومنح الجامعات دوراً أكبر في الإشراف والتطوير والتدريب والتقويم، يمثل خطوة جديرة بالدراسة نحو بناء منظومة تعليمية أكثر كفاءة وتكاملاً.

فحين تصبح الجهة التي تستقبل المخرجات شريكاً في صناعتها وتطويرها، تتقلص الفجوة بين مراحل التعليم المختلفة، وتزداد مواءمة المناهج والمهارات مع احتياجات سوق العمل، وتصبح عملية التطوير أكثر دقة واستدامة. وفي ظل مستهدفات رؤية المملكة 2030، فإن تعزيز دور الجامعات في دعم التعليم العام قد يشكل إحدى الخطوات المهمة نحو رفع جودة التعليم وتحسين مخرجاته وبناء أجيال أكثر قدرة على المنافسة والإسهام في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة.