اعتدنا أن نبحث عن القوة في اللحظة التي تظهر فيها: قرار حاسم، مواجهة، انتصار أو قدرة فرضت نفسها على الآخرين. لهذا تبدو القوة في أذهاننا مرتبطة بالفعل، وكأن وجودها يحتاج دائما إلى دليل مرئي. وربما كانت هناك صورة أكثر هدوءا للقوة، تحقق أثرها قبل أن تضطر إلى الظهور.

هذه الفكرة هي أكثر ما يلفتني في «اتفاقية مكة للدفاع المشترك». فالقيمة الأولى لأي اتفاق دفاعي تبدأ قبل يوم تتحرك فيه الجيوش؛ حين يدخل الاتفاق إلى حسابات الآخرين، ويجعل من يفكر في خطوة ما يعيد حساب ثمنها ونتائجها. هنا تعمل القوة من غير أن تستخدم.

الحارس الناجح قد يكون نجاحه الحقيقي في أن يعرف اللص بوجوده فيختار شارعا آخر. والقانون لا تستمد هيبته من عدد الذين عوقبوا وحده؛ فجزء من قوته يسكن في المخالفات التي لم تقع لأن العقوبة كانت حاضرة في ذهن من فكر فيها.


وحياتنا اليومية تعرف هذا النوع من القوة أيضا. الأب الذي عرف أبناؤه حدوده قد لا يحتاج إلى الصراخ كل صباح، والمدير الذي استقرت عدالته وحزمه في أذهان موظفيه لا يحتاج إلى استعراض سلطته في كل اجتماع، والإنسان الذي يعرف الآخرون أنه قادر على الدفاع عن نفسه قد يعيش أكثر هدوءا من شخص يضطر كل يوم إلى إثبات قوته.

هنا تظهر مفارقة طريفة: بعض القوة تصبح أكثر حضورا كلما قل استخدامها.

فالذي يضطر إلى إظهار قوته في كل مناسبة قد يكون مشغولا بإقناع الآخرين بوجودها. أما القوة التي استقرت صورتها في الأذهان فإنها تعمل وهي ساكنة. وهذا يشبه القفل على الباب؛ قيمته ليست في عدد المرات التي أمسك فيها بلص. قد يبقى سنوات من دون أن يمسك بأحد، وتبدأ وظيفته لحظة يراه القادم إلى الباب فيعيد حسابه.

من هذه الزاوية يمكن قراءة اتفاقية مكة. السؤال الأهم ليس: متى تستخدم؟ السؤال الأسبق: ماذا تغير في حسابات من يعرف بوجودها؟ فإذا جعلت الاتفاقية أي طرف يفكر في كلفة قراره قبل أن يتخذه، فقد بدأت تؤدي إحدى وظائفها قبل أن تتحرك قطعة عسكرية واحدة. وهنا يمكن فهم الهيبة بطريقة مختلفة. الهيبة معرفة الآخرين أن لك حدودا، وأنك قادر على حمايتها، وأن هدوءك اختيار نابع من القدرة. ولهذا يختلف الهادئ القادر عن الهادئ العاجز، مع أن الصورة الخارجية قد تبدو متشابهة. الأول يستطيع أن يفعل ثم يختار توقيت فعله، والثاني لا يملك هذا الخيار. والفارق بينهما كلمة صغيرة: القدرة.

لهذا كان ضبط النفس واحدا من أكثر أشكال القوة تعقيدا. امتلاك الرد شيء، واختيار اللحظة والطريقة والقدر المناسب شيء آخر. قد ينتصر الإنسان على خصمه ثم يخسر ما هو أهم، وقد يتراجع خطوة ليحفظ مساحة أكبر أمامه. والحكمة تبدأ حين تصبح القوة أداة في يد صاحبها، لا اندفاعا يقوده حيث شاء.

حتى الكلمات تحمل هذا المعنى. هناك من يحتاج إلى مئة كلمة حتى يثبت موقفه، وهناك من تكفيه جملة واحدة لأن ما وراء الجملة معروف. وهناك من يكرر تهديده حتى يفقد التهديد أثره؛ فالقوة التي تعرض نفسها كثيرا تشبه العملة التي يكثر تداولها حتى تنخفض قيمتها.

ربما أخطأنا طويلا حين ربطنا القوة بالفعل وحده. نصف العاصفة بالقوة لأنها اقتلعت الأشجار، ونغفل عن الجبل الذي بقي في مكانه ألف سنة. نصف من انتصر في معركة بالقوة، وقد يفوتنا من استطاع أن يمنع عشر معارك من أن تبدأ. والتاريخ نفسه منحاز إلى الأشياء التي حدثت. يسجل الحروب، ويترك خارج صفحاته الحروب التي أوقفتها حسابات الردع. يسجل الجرائم، ولا يعرف شيئا عن الجرائم التي منعها القانون. ولهذا تختفي بعض أعظم آثار القوة من السجل؛ لأنها نجحت تحديدا في منع الحدث من أن يقع.

هنا تبدو الفكرة الأعمق في اتفاقية مكة أبعد من نص عسكري أو التزام دفاعي؛ إنها تعيدنا إلى معنى قديم للقوة:

أن تمتلك إمكانية الفعل، وأن يعرف الآخرون بوجودها، وأن تبقى أنت صاحب القرار في استخدامها. فالقوة تبلغ إحدى أعلى درجاتها حين تغير ما يمكن أن يحدث، من غير أن تضطر هي نفسها إلى الحدوث، وربما كانت بعض أعظم الانتصارات هي الأشياء التي لم تقع أصلا.