النقش أو «القط» تلك المفردة التي دخلت دائرة العالمية الكبرى. في تهامة ألمع تستخدم مفردة «النقش» أما في تهامة قحطان أو السراة في ضواحي مدينة أبها فتستخدم مفردة «القط»، وهي نوع وشكل من أشكال الفن الإبداعي على جدران المنازل، وأحيانًا على أرضيات السلالم الداخلية وأرضيات النوافذ وجدرانها الجانبية. ولأنها شأن منزلي فمنشأ هذا الفن، المرأة التي ابتكرته.

من هي تلك المرأة التي كانت رقم واحد في هذا الابتكار وهذا الإبداع؟ لا أحد يعلم، لكن البذرة الأولى لولادة هذا الفن كانت على يدي امرأة منذ عقود طويلة وموغلة في القدم. ومن المفارقات العجيبة التي دائمًا أتوقف أمامها، أن مسؤوليات المرأة في تلك الأيام كانت كثيرة ومُنهِكة ومتفرعة، داخل بيتها وخارجه.

كانت تسّوق بنفسها وتبيع بضاعتها في الأسواق التجارية المتنقلة، وتحتطب، تمر بأعالي الجبال تلملم حطبها قطعة قطعة، ثم تربطها وتشدها على ظهرها، وتعود محملة بها إلى بيتها. كانت تطحن على مطحنتها اليدوية، ثم تلهب النار، ثم تخبز، ثم تقدم تلك الوجبة الشهية بعد مراحل، كل مرحلة بمثابة عملية مركبة ومعقدة بحد ذاتها حتى آخر لحظة.


لم تكن أرضيات المنازل سيراميكًا ولا بلاطًا سمسميًا ولا أسمنتًا مطبطبًا، بل كانت «خَمشة» وهي عبارة عن مجموعة من المواد تخلطها المرأة بمقادير معينة بيديها، حتى يتكون خليط متجانس ثم تمده على مساحات أرضيات المنزل بطريقة معينة وتتركه حتى يجف تمامًا، ثم تُعيد العملية مرة أخرى كلما احتاج الأمر. الكثير من المسؤوليات المنُاطة بها بشكل تلقائي.

قيل «الإبداع يولد من رحم المعاناة» من هنا، من هذه الظروف الاستثنائية أبدعت المرأة العسيرية وابتكرت رسومات وتصاميم النقش، بل ابتكرت أدواته وألوانه، لدرجة أنها أسست مدارس فنية، فكانت لكل واحدة منهن بصمة خاصة بطريقتها الإبداعية في النقش.

السؤال المهم جدًا، لماذا تناولت جدران المنزل وبدأت تبدع وترسم على تلك المساحات الممتدة، بل وتبذل فيها ذلك الجهد الذهني والجهد العضلي وحتى النفسي؟! فالأعمال الإبداعية تستهلك الإنسان نفسيًا وفكريًا وأحيانًا بدنيًا كالنقش مثلًا.

لم تكن مضطرة لخوض تجربة بهذا العمق والقوة، كان من الممكن أن تكتفي بالمسؤوليات اليومية القاهرة في ذلك الزمن مع شح الإمكانات ومع ضيق الوقت الممنوح لها لممارسة مثل هذا النوع من الإبداع، لكنها حطمت كل السلاسل المقيدة بها من أعمال ومسؤوليات وسلطة ممن حولها، حررت أفكارها ومشاعرها وحولتها إلى بصمات إبداعية.

ومما يذكر عن النقش على لسان إحداهن اسمها (مشغلة) أنه «ملاوكة حديد» بمعنى أن النقش يشابه عملية مضغ قطعة حديد من شدة صعوبته واحتياجه لأعلى معايير الدقة والتركيز والحضور بوعي.

وكانت إحداهن - فيما يقول من ينقل عنهن - أنها كانت تنقش مساحات معينة ثم تفتح النوافذ على مصراعيها وتغادر المنزل تمامًا، تقف قبالة النافذة تنظر وتتأمل عن بعد ما نقشت، عادة نفسها زائرة عابرة تنظر بعين الناقد وليس بعين من رسم وأبدع، ثم تعود إلى مساحة العمل تغير وتمسح وتضيف، حتى تكتمل اللوحة الجدارية.

النقش على الجدران محاولة صارخة وبصمت للتعبير فقط، المرأة كانت تعتبره وسيلة للتنفيس والخروج من مأزق الضغوط والمتاعب.

النقش على الجدران شكل من أشكال الهروب من البؤس إلى السعادة، من الشقاء إلى الراحة، من ضيق الأفق ومحدوديته التي أقصتها دوائر الزوج والأبناء، إلى سعة الأفق التي لا حدود نهائية لها من خلال التألق في سماء الإبداع.

رغم أن النقش كعمل ـ لمن لا يعشقه ـ مُضن ومجهد، إلا أنه كان بمثابة متنفس، تطلق من خلاله المرأة كل ما بداخلها من جمال وعاطفة وإحساس، تبلغ درجة الرضا والبهجة، إضافة إلى قائمة المسؤوليات من الأعمال اليومية التي لا تنتهي.