أثناء محاضرة علمية أُلقيتُها عن بُعد، طرح أحد الطلبة الدارسين في ألمانيا سؤالًا بدا لأول وهلة يسيرًا، غير أنه في حقيقته من أعقد الأسئلة التي تمسُّ جوهر العلاقة بين الإنسان والدين؛ إذ قال: «إذا كان الإنسان متدينًا بفطرته، فلماذا نحتاج إلى مزيد من التدين؟ أليست الزيادة على التدين هي التي ولَّدت كثيرًا من الأفكار المنحرفة؟»

كان السؤال جديرًا بالتأمل أكثر من استعجال الجواب؛ لأنه يلامس الحدَّ الفاصل بين الدين والتدين، وبين الفطرة والتكلُّف.

فالإنسان مفطور على الإيمان، كما أنه مفطور على حبِّ العدل، والنفور من الظلم، والتطلع إلى المطلق والكمال. وهذه الفطرة هي التي تجعل الإنسان يبحث عن معنى وجوده، ويحنُّ إلى خالقه، ولو عاش في أقاصي الأرض، بعيدًا عن كل رسالة ووحي. ولذلك لم يكن الدين طارئًا على الإنسان، وإنما كان موافقًا لفطرته، مكمِّلًا لها، هاديًا لمسارها.


غير أن الفطرة، وإن كانت تهدي إلى أصل الإيمان، فإنها لا تستقلُّ بتفاصيل الهداية، ولا تعصم صاحبها من الهوى، ولا تمنعه من الغلو أو التفريط؛ فجاء الوحي لا ليخلق التدين من العدم، وإنما ليهذبه، ويقوِّمه، ويعيده إلى جادته.

ومن هنا يقع الخلط الذي أوقع كثيرًا من الناس في سوء الفهم؛ إذ ظنوا أن كل زيادة في مظاهر التدين زيادةٌ في الدين، وليس الأمر كذلك. فليس كل ما يُنسب إلى التدين من الدين، كما أن ليس كل تشدد دليلًا على قوة الإيمان.

إن الأفكار المنحرفة لم تنشأ لأن الناس تدينوا، وإنما نشأت لأن بعضهم تجاوز حدود الدين إلى صناعة تدينٍ خاص، يخلط بين النصوص والأهواء، وبين الغيرة والغلظة، وبين العبادة والتعصب. فالمشكلة ليست في التدين الذي يهدي إليه الوحي، وإنما في التدين الذي يصنعه الإنسان حين يجعل فهمه للدين هو الدين نفسه.

لقد علَّمنا الوحي أن خير الأمور أوسطها، وأن الهدي النبوي كان بعيدًا عن الغلو كما كان بعيدًا عن التفريط. فكل تدين يخرج بصاحبه عن ميزان الحكمة والرحمة والعدل، فهو تدين فقد صلته بروح الدين، وإن احتفظ بشعاراته.

ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: هل نحتاج إلى مزيد من التدين؟ بل: أيُّ تدين نحتاج؟

نحتاج إلى تدينٍ يزيد الإنسان تواضعًا لا كِبرًا، ورحمةً لا قسوة، وعقلًا لا جمودًا، وعدلًا لا تعصبًا، ويجعله أقرب إلى الناس لا أبعد عنهم، وأقرب إلى مقاصد الشريعة لا إلى ظواهرها المجردة.

إن الدين في أصله نور، والفطرة في أصلها استعداد لذلك النور، أما التدين فهو صورة تفاعل الإنسان مع هذا النور؛ فإن وافق الوحي ازداد إشراقًا، وإن خالطه الهوى انقلب إلى ظلالٍ كثيفة، وربما صار سببًا في الانحراف وهو يظن نفسه عين الاستقامة.

ولذلك فإن البشرية لا تحتاج إلى مزيد من التدين بمعنى كثرة الشعارات والمظاهر، وإنما تحتاج إلى مزيد من الدين الصحيح؛ الدين الذي يردُّ الفطرة إلى صفائها، والعقل إلى رشده، والقلب إلى سكينته.