وهو ما يعني أن الإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل يسهم في صناعته.
ويؤكد ذلك ما يشكله التأثير الإعلامي الحقيقي والذي لا يغيّر طريقة تفكير الناس فقط، بل يغيّر ما يفكرون فيه.
يعبر نابليون بونابرت عن قوة الإعلام وخطورته بقوله: أخشى من ثلاث صحف أكثر مما أخشى من مئة ألف جندي.
إن الإعلام حاليا لم يعد نقلا للأخبار ووصفا للأحداث، بل إنه يعد من أهم الأسلحة في البناء والتأثير، وتشكيل الأجيال ومدى ارتباطها بجوانب الحياة المليئة بالقيم وسلوكيات الوعي والمعرفة.
ولذلك فالتعليم يصنع المعرفة، والإعلام ينشرها ويحوّلها إلى وعي مجتمعي.
وامتداد قوة التأثير الإعلامي تُعد من أقوى أشكال التأثير في العصر الحديث، لأنها تؤثر في تشكيل الرأي العام فيمكن للإعلام أن يوجه اهتمام الناس نحو قضايا معينة ويؤثر في مواقفهم منها.
وكذلك بناء الصورة الذهنية فيصنع الانطباعات عن الأشخاص والمؤسسات والدول، سواء أكانت إيجابية أو سلبية.
ومن التأثير الإعلامي التأثير على السلوك والقرارات: في الشراء، والتصويت، وتبني الأفكار، وحتى أنماط الحياة.
وبما أن الإعلام سلاح ذو حدين فإن بإمكانه نشر المعرفة أو التضليل: فالإعلام المهني يرفع الوعي، بينما الإعلام غير المسؤول قد ينشر الشائعات والمعلومات المضللة.
ويمتد تأثيره ثقافياً واجتماعيا من خلال ترسيخ القيم والعادات أو تغييرها مع مرور الوقت.
الإعلام الحديث حقق للبشرية فوائد جمّة منها سهولة الوصول إلى المعرفة والمعلومات وتنمية المهارات الرقمية والتقنية وتعزيز التواصل بين الأفراد والمجتمعات، وكذلك إتاحة فرص التعلم الذاتي وتبادل الخبرات ودعم الإبداع وريادة الأعمال وإبراز المواهب.
ولكنه لا يخلو من الآثار السلبية مثل انتشار المعلومات المضللة والشائعات وزيادة التشتت وضعف التركيز بسبب التدفق المستمر للمحتوى.
التأثر بالأنماط والسلوكيات غير الملائمة والمقارنات الاجتماعية التي قد تؤثر في الثقة بالنفس.
وهذا ما يجعلنا نستنتج أنّ المشكلة لا تكمن في الإعلام الحديث أو وسائل التواصل نفسها، بل في كيفية استخدامها. فكلما امتلك الجيل الجديد وعيًا إعلاميًا وقدرة على التحقق من المعلومات وإدارة وقته، تحولت هذه الوسائل إلى أدوات للتعلم والنجاح والتأثير الإيجابي.
فالإعلام الحديث لا يصنع جيلاً جديدًا فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة تفكيره ورؤيته للعالم؛ لذلك فإن الوعي هو الضمان الحقيقي للاستفادة من تأثيره وتجنب مخاطره.
توعية الشباب من مخاطر الإعلام لا تعني التخويف منه أو الابتعاد عنه، بل تعني تنمية الوعي والقدرة على الاستخدام المسؤول والناقد للمحتوى الإعلامي.
ولعل من اهم أساليب توعية الشباب تعزيز مهارات التحقق من صحة المعلومات قبل نشرها أو تصديقها، وتنمية التفكير النقدي وعدم قبول كل ما يُعرض في وسائل الإعلام، وترسيخ القيم الأخلاقية والوطنية التي تساعد على التمييز بين النافع والضار، وتوضيح أن الشهرة لا تعني المصداقية أو صحة الرأي.
الكلمة الصادقة قد تغيّر فكرة، والفكرة قد تغيّر مجتمعًا، لذلك تكمن قوة الإعلامي والمؤثر في أثره لا في ظهوره.