عندما كان شبيحة النظام السابق يرددون شعار «الأسد أو نحرق البلد»، كانوا يعبرون عن منطق حكمٍ لم يتردد في تدمير مؤسسات الدولة والمجتمع من أجل البقاء.

ولم يكن إحراق المدن وحده ما خلّفه ذلك النهج، بل امتد إلى تقويض مؤسسات الدولة وإفساح المجال أمام اقتصاد الجريمة المنظمة، حتى تحولت سوريا، خلال سنوات الحرب، إلى إحدى أبرز بؤر إنتاج المخدرات وتهريبها، وارتبط اسمها في كثير من التقارير الأمنية بشبكات المخدرات العابرة للحدود، أكثر مما ارتبط بدورها التاريخي في المنطقة.

وفجأة جاء تحرير سوريا، وجدت الدولة الجديدة نفسها أمام إرث ثقيل لم يقتصر على الدمار الاقتصادي أو المؤسسي، بل شمل منظومة متكاملة من إنتاج المخدرات وتهريبها وتمويلها وحمايتها. ولهذا، فإن سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 لم يطرح سؤال إعادة بناء الدولة السورية فحسب، بل طرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية عن مدى قدرة سوريا أن تتحول من دولة ارتبط اسمها بواحد من أخطر اقتصادات الجريمة المنظمة في المنطقة، إلى شريك فاعل في إنتاج الأمن الإقليمي والدولي.


ولذلك نرى أهمية التحركات السورية الأخيرة، وليس مجرد حجم الضبطيات أو عدد الموقوفين، فإطلاق الحملة الوطنية لمكافحة المخدرات ومعالجة الإدمان بحضور الرئيس أحمد الشرع أول من أمس، لم يكن حدثاً بروتوكولياً، بل إعلاناً عن انتقال ملف المخدرات من دائرة الإجراءات الأمنية المتفرقة إلى مستوى السياسة العامة للدولة.

ومن اللافت أن الحملة لم تطلقها وزارة الداخلية وحدها، بل جاءت بالشراكة مع وزارة الصحة، وبحضور ممثلين عن منظمات دولية وسفراء ودبلوماسيين، في رسالة تحمل بعدين متوازيين، الأول أن مكافحة المخدرات لم تعد مجرد ملف جنائي، والآخر أن سوريا تريد أن تجعل هذا الملف مدخلاً لإعادة بناء الثقة مع محيطها العربي وشركائها الدوليين.

هذه ليست مجرد قراءة سياسية، بل تؤكدها طبيعة الخطوات التي اتخذتها الدولة خلال الأشهر الماضية، فمنذ سقوط نظام الأسد، لم تقتصر المواجهة على ملاحقة المهربين، وإنما استهدفت البنية الكاملة لاقتصاد المخدرات، وأعلنت إدارة مكافحة المخدرات خلال المناسبة تفكيك 17 معملاً لتصنيع الكبتاجون، و20 مستودعاً للمواد الأولية، و90 شبكة تهريب، وضبط نحو 700 مليون حبة كبتاجون، و221 طناً من المواد الأولية المستخدمة في التصنيع، إضافة إلى 15 طناً من الحشيش، و84 كيلوغراماً من الكريستال، و18 كيلوغراماً من الكوكايين، و7 كيلوغرامات من الهيروين، و10 ملايين حبة من الأدوية المخدرة.

هذه الوقائع لا تعني أن سوريا ربحت الحرب على المخدرات، لكنها تشير إلى تغير جوهري في طبيعة المواجهة، ففي بداية عمل الدولة الجديدة كان التركيز ينصب على اعتراض الشحنات بسبب تعقيد ملف المخدرات، ويوماً بعد آخر تمكنت أجهزة الدولة من كشف جانب كبير من طريقة عمل شبكات المخدرات وطرق التهريب، فركزت جهدها على تفكيك الشبكات، وملاحقة الرؤوس المدبرة، وضرب مصادر التمويل، وهو تحول يتوافق مع فلسفة مكافحة الجريمة المنظمة المعتمدة دولياً، والتي تقوم على استهداف البنية الاقتصادية والتنظيمية للجريمة.

ومن زاوية أخرى، فإن اللافت ليس فقط ما يجري داخل سوريا، بل الطريقة التي اختارت بها دمشق إدارة هذا الملف خارج حدودها، فبدلاً من التعامل معه باعتباره قضية سيادية مغلقة، اتجهت إلى بناء شبكة تعاون أمني مع دول الجوار والدول العربية، فنفذت عمليات مشتركة، بينها عشر عمليات خلال الربع الأول من عام 2026، كما كثفت حضورها في اجتماعات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، وعززت قنوات تبادل المعلومات الأمنية مع شركائها.

وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية الأهم، فالثقة بين الدول لا تبنى اليوم عبر الخطابات السياسية وحدها، وإنما عبر القدرة على إنتاج الأمن المشترك، والدول العربية التي دفعت خلال السنوات الماضية أثماناً باهظة نتيجة تدفق المخدرات، لن تنظر إلى سوريا الجديدة من زاوية التصريحات، بل من زاوية قدرتها على حماية الحدود، وتجفيف منابع التهريب، وملاحقة الشبكات العابرة للدول. ومن هذه الزاوية، يصبح ملف المخدرات واحداً من أهم اختبارات استعادة سوريا لموقعها الإقليمي والدولي.

لكن ثمة بعداً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بطبيعة الدولة التي تحاول سوريا بناءها، فالمواجهة الأمنية، مهما بلغت فعاليتها، لا تكفي وحدها،ولذلك جاء إطلاق الحملة الوطنية برؤية مختلفة تقوم على ثلاثة مسارات متكاملة: إنفاذ القانون، والوقاية المجتمعية، والعلاج وإعادة التأهيل. وهذا التحول ليس تفصيلاً إدارياً، بل يعكس انتقال الدولة من مقاربة تعتبر المدمن مشكلة أمنية، إلى مقاربة تنظر إليه بوصفه إنساناً يحتاج إلى العلاج وإعادة الاندماج.

لذلك، بدأت وزارة الصحة، بالتعاون مع الشركاء الدوليين، في بناء منظومة علاجية متكاملة تشمل توحيد البروتوكولات العلاجية، وإطلاق برنامج لتدريب الكوادر، وإنشاء مجلس للصحة النفسية والإدمان، وتطوير مراكز العلاج، وإطلاق مبادرة «بوابات التعافي» عبر 13 مركزاً مجتمعياً، إلى جانب تشغيل خطوط ساخنة للدعم النفسي والاستشارات. والرسالة هنا أنه لا يمكن تجفيف العرض إذا بقي الطلب قائماً، ولا يمكن كسر الحلقة من دون الجمع بين الأمن والصحة والتعليم والمجتمع.

ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال طويلاً، فالشبكات التي بنت نفوذها خلال سنوات الفوضى تمتلك خبرات مالية ولوجستية واسعة، كما أن تطور وسائل التهريب، من استخدام الطائرات المسيّرة إلى وسائل الإخفاء المعقدة، يفرض تحديات مستمرة على إدارة مكافحة المخدرات، ولهذا تؤكد دمشق أن المرحلة المقبلة ستتركز على تحديث البنية التقنية، وتطوير الاستخبارات الجنائية، وتعزيز التعاون مع الإنتربول والمنظمات الدولية، وتوسيع العمليات متعددة الأطراف.

في المحصلة، لا يبدو أن المعركة الدائرة اليوم هي مجرد حرب على المخدرات، بل محاولة لإغلاق أحد أكثر ملفات المرحلة السابقة كلفة على سوريا والمنطقة. فالدولة التي اتُهمت طويلاً بأنها جزء من المشكلة، تحاول أن تثبت أنها أصبحت جزءاً من الحل، وهذا التحول، إن نجح في ترسيخ نفسه مؤسسياً، لن يغير صورة سوريا فحسب، بل سيعيد رسم دورها في معادلة الأمن الإقليمي والدولي.