من الحمض النووي إلى الهوية: ما الذي تقوله أغنية "DNA" حقًّا؟

في كل بطولةٍ كبرى لحظةٌ تهدأ فيها الضوضاء. يتوحّد الجمهور، ويُكرَّم اللعب لما هو عليه حقًّا: أكثر من مجرد لعبة. هذه اللحظة حاولت أغنية "DNA"، النشيد الرسمي لكأس العالم 2026، أن تصوغها في نغمٍ واحدٍ يجمع الإيطالية والإنجليزية والكورية في نسيجٍ متصل. وحين ننصت إليها بتأنٍّ، نكتشف أنها لا تحتفي بالكرة، وإنما تحتفي بما هو أبقى منها: بالإنسان حين ينتمي، وحين يسقط فينهض، وحين يصرّ أن يكون نفسه في عالمٍ يتّسع كل يوم. وفيها ثلاث رسائل تسكن النغم، تستحقّ أن نغوص فيها قبل أن نوجّهها إلى أنفسنا. يفتتح بوتشيلي بجملةٍ تختصر فلسفةً كاملة للحياة: "حتى لو سقطنا، سننهض من جديد". السقوط عنده محطةٌ في الطريق لا نهايةٌ له، والنهوض قرارٌ لا صدفة. ويأتي صوت EJAE بالكورية ليردّد المعنى نفسه بضميرٍ مختلف: "حتى لو سقطتُ مرة أخرى، سأقف من جديد". بوتشيلي يقول "نحن"، وEJAE تقول "أنا". وفي هذه المسافة بين الضميرين تكمن الرسالة الأولى كاملةً: النهوض فعلٌ نتقاسمه معًا، ومسؤوليةٌ يحملها كلٌّ منا وحده. ننهض جماعةً، ونبدأ فرادى. وما قالته الأغنية في سطرٍ، قاله القرآن قبل أربعة عشر قرنًا في نَفَسٍ أعمق. حين وقع المؤمنون في أُحُد بعد نصرٍ ظنّوه محسومًا، لم يأتِ الخطاب لائمًا يائسًا، فجاء رافعًا: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. ثم جاءت السنّة الكبرى التي تُطمئن كل ساقطٍ في طريقٍ صعب: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فالعثرة ليست حكمًا نهائيًّا، والأيام دُوَل، ومن سقط اليوم يقف غدًا. ثم ننتقل إلى قلب الأغنية النابض، إلى تلك الجملة التي صارت عنوانًا لها: "إنها أكثر من مجرد لعبة، إنها حمضنا النووي". وهنا تتجاوز الكلمات حدود الملعب إلى فكرةٍ أوسع بكثير. الحمض النووي شيءٌ لا نختاره ولا نكتسبه، ولا نرتديه صباحًا ونخلعه مساء، فهو محفورٌ فينا منذ اللحظة الأولى. أن تقول إن ما تحبه وتنتمي إليه "حمضك النووي" يعني أنك تنزع عنه صفة العابر، وتمنحه صفة الأصيل. الهوية عمقٌ يسكن الدم، والانتماء ليس عادةً تُكتسب، وهذه هي الرسالة الثانية. أما الرسالة الثالثة فتختبئ في بنية الأغنية ذاتها قبل أن تختبئ في كلماتها. أربعة أصوات من أربع قارات، بأربع لغات وأربعة أنماط، تجتمع في نشيدٍ واحد دون أن يذوب أحدها في الآخر. صوت بوتشيلي الكلاسيكي يبقى كلاسيكيًّا، وكلمات EJAE الكورية تبقى كورية، ومع ذلك يخرج النغم متّسقًا. الاجتماع العالمي لا يقتضي أن نتشابه، والأصوات تتناغم وهي محتفظةٌ بخصوصيتها. وهذه الفكرة تكاد تكون التوأم الروحي لآيةٍ جامعة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. فاختلاف الألسنة والأصوات والقارّات لم يُخلق للتنافر، وإنما للتعارف، فيصدّق النغم بلغته ما قرّره الوحي بحكمته. هذه الرسائل الثلاث، حين نوجّهها إلى السعودي، تخاطبه في لحظةٍ استثنائية من تاريخه. بلدٌ يعيد اكتشاف ذاته، ويقدّم نفسه للعالم، ويستعدّ لأن يستضيف الحدث نفسه في 2034. فالرسالة الأولى تقول له إن العثرة في طريق أي مشروعٍ كبير محطةٌ لا حكم نهائي، وإن الأمم كالأفراد تنهض بعد كل كبوة. والثانية تطمئنه إلى أن انفتاحه على العالم لا يمسّ أصله، لأن ما هو محفورٌ في الحمض النووي لا يُغسَل بموجة تغيير. والثالثة تمنحه الثقة بأن حضوره على الطاولة العالمية لا يشترط أن يتنازل عن خصوصيته، فالسعودي الذي يصغي إلى بوتشيلي وEJAE يجلس بينهما بلغته وثقافته، شريكًا لا تابعًا. ثم تبلغ هذه الرسائل ذروتها حين توجَّه إلى المرأة السعودية على وجه الخصوص، لأن الأغنية نفسها تضع أمامها نموذجًا حيًّا. فالصوت الذي حمل الرسالة الأولى، والذي جسّد الرسالة الثالثة، صوتُ امرأة. EJAE لم تُؤدِّ ما كُتب لها، فكتبت مقطعها الكوري بيدها، وأصرّت أن تحمل لغة بلدها إلى أكبر مسرحٍ في العالم. امرأةٌ كتبت هويتها بلغتها، وفرضتها في نصٍّ يصغي إليه العالم. وما فعلته على مسرح العالم فعلته نساءٌ في تاريخنا على مسارح أعظم. الخنساء التي وقفت شامخةً بعد أن فقدت إخوتها وأبناءها، فحوّلت الفقد إلى شعرٍ يُروى بعد قرون، هي عين الرسالة الأولى: من يسقط ليس من يُهزَم. ونسيبة بنت كعب التي ثبتت يوم أُحُد حين تزلزل الرجال، تُجسّد أن النهوض ليس ذكوريًّا ولا أنثويًّا، فهو إنسانيٌّ خالص. وعائشة أم المؤمنين التي صارت مرجعًا يقصده كبار الصحابة في العلم والفقه، تُثبت أن حضور المرأة في صدارة المعرفة أصيلٌ في هذا الدين لا طارئ عليه. وهنا تجد المرأة السعودية مرآتها كاملة. الرسالة الأولى تقول لها إن طريقها الذي لم يكن ممهّدًا يُقطَع بالنهوض بعد كل عثرة لا بالخوف منها، كما نهضت الخنساء ونسيبة من قبل. والرسالة الثانية تقول لها إن حضورها اليوم في القضاء والطب والفضاء والريادة والدبلوماسية ليس طارئًا يُضاف إلى المشهد ثم يُسحَب، فهو جزءٌ من الحمض النووي للوطن الذي ينهض، وامتدادٌ لإرثٍ ضاربٍ في العمق. والرسالة الثالثة، وهي الأعمق في حقّها، تقول لها إن انفتاحها على العالم ومشاركتها فيه لا يقتضيان أن تتخلّى عن خصوصيتها، فبإمكانها أن تكتب حصّتها من الحكاية بلغتها هي وقيمها التي نشأت عليها، تمامًا كما كتبت المرأة الكورية مقطعها بلغتها دون أن تعتذر عنها. هكذا تصير "DNA" أكثر من نغمٍ يُطرب في المدرّجات. إنها نصٌّ صغير يُذكّرنا بأن نهوضنا في أيدينا، وأن هويتنا محفورةٌ فينا لا تُنتزَع، وأن حضورنا في العالم لا يشترط ذوباننا فيه. وحين تخاطب السعودي، والمرأة السعودية خاصة، فإنما تردّد بلغة النشيد ما رسّخه الوحي قبل قرون، وما تقوله المملكة اليوم بلغتها الخاصة: أن نكون في العالم ومن العالم، دون أن نكفّ لحظةً عن أن نكون نحن.