قبل مدة تصدر وسائل التواصل خبر إلغاء جامعة الملك سعود تخصصات مثل التاريخ، فتجاذب الموضوع مجادلون، ما بين منافح عن بقاء تلك التخصصات ومدافع عن قرار الجامعة، وفي غمرة الجدل تغلب حمية الانتصار للآراء ويقل التروي وبعد النظر، فيصعب الحديث بهدوء ولفت الأنظار إلى المهمل من بين المطروق، وغني عن البيان أنه لا مسكة لأحد بعقل تدفعه للتقليل من أهمية التاريخ، وهو الذي يرتبط بذاكرة الأمة، والهوية الدينية، والثقافية، والوطنية، والقومية، ورغم ذلك فلا بد من الانتباه إلى مناهج البحث السائدة، فقد اعتاد المرء على قراءة رسائل وأبحاث كأنها خطت في زمن مملكة آل أيوب، مراجعها تدور حول الطبري، وابن مسكويه، بلا مناهج بحثية جديدة، رغم أن تطوير التعليم ومناهجه ضرورة ملحة ليس فضلة أو تحسينًا!

وتتابع الإعلان عن مكتشفات أثرية في السعودية، ونشر كثير منها في أوراق علمية غربية فحين تقرأ في رسالة علمية أعدت في موضع تاريخي وتغيب عن مراجعها تلك المكتشفات تدرك أن الطرق التقليدية لا تزال تلقي بظلالها، مع أن المناهج التاريخية الحديثة تدمج البحث الأركيولوجي (علم الآثار) مع كتب التاريخ التي دونت شهادات الرواة الشفهية، فالتاريخ بطريقته الحديثة يكتب بمصادر تزيد على التاريخ الرسمي مثل ما دون في طبقات ابن سعد، وتاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ نسابور للحاكم ونحو هذه المصادر، فتمتد إلى المراجع البيزنطية، والسريانية، إضافة إلى المسكوكات والبرديات وعموم الآثار، فأين هي عن بحث اليوم في التاريخ حين تعد فيه الرسائل العلمية؟

وليس هذا النقص مقصورًا على عدد من الباحثين الذين حازوا الألقاب العلمية في منطقة دون أخرى، بل هي ظاهرة يمكن رصدها في مختلف الكليات العربية، فكان غريبًا أن تجد بعض المجادلين قد أخذته حماسة الاندفاع وهو يعلن عن أهمية التاريخ أمام خبر إلغاء التخصص في جامعة واحدة، مع بقائه في باقي الجامعات ولا يثير الحديث عن ضرورة تطوير تلك الأقسام لتستوعب وتدمج البحوث مع كليات أخرى، إذ لا يعقل أن تنفصل الآثار عن التاريخ، أو تهمل الاستعانة باللغات القديمة في التاريخ كذلك، فضلًا عن دمج منتجات الدراسات التاريخية مع جوانب تتعلق بالسياحة وتعريف القادمين بالآثار القديمة بعد أن تكون مرت على أبحاث رصينة، لتستثمر بعدها في الدعاية السياحية وإعداد المرشدين المؤهلين لإعطاء صورة حقيقية عن تاريخ البلاد، فضلًا عن تأثير ذلك في إعداد السيناريو المطلوب للمسلسلات والأفلام التاريخية، فقد أضحى هذا التفعيل أولوية في العالم.


فضلًا عن تقاطع التاريخ كمادة مع فلسفته، فقد عرفت أوروبا مناهج متنوعة في فلسفة التاريخ وتحليله، من دون التوقف عند قصه دون تحليله واستنباط قوانينه، وقد كان ول ديورانت صاحب الكتاب الحافل (قصة الحضارة) في مجلداته الكثيرة قد أنفق في إعداده عمره، ثم إنه كتب (دروس في التاريخ) فلخص فيه ما استخلصه من الحضارات، فجاء في كتيب لطيف، وقد كان هيجل الفيلسوف الألماني الشهير قد أقام شطرًا كبيرًا من فلسفته على فلسفة التاريخ، ونافسه في الاطلاع التاريخي وفلسفته شوبنهاور، ولما جاء ماركس قام بتعديل على فلسفة هيغل وأقام هو الآخر فلسفة منافسة لفلسفة التاريخ الهيغلية، مرورًا بفلاسفة معاصرين مثل جوستاف لوبون وميشيل فوكو، فكانت فلسفتهم جزءًا من هذا الفرع فلسفة التاريخ، تتنافس فيها المناهج والتطبيقات، ويختلف أصحابها فيما بينهم في النتائج وزوايا النظر.

هذا في جانب واحد ذكرته كمثال يستتبع ما يماثله، فالعلم اليوم بمناهجه وموضوعاته وفروعه في حركة متسارعة لا تعرف التوقف، تسعى إلى مجاراة المدخلات الحديثة والاطلاع على المناهج المستجدة، فهي التي تدفع التعليم إلى جودة ترفع أداء جامعات البلاد، فالجامعة في المجتمع تشبه الدماغ في الجسم، وطلاب الجامعة هم الحاضنة لقادة المجتمع والمربين والعاملين فيه، والاستدامة على مناهج يحفظها المحاضر بعد أن يكون قد اعتاد عليها لعقدين من عمره تعبر عن تكلس في الحيوية العلمية، حتى تصبح المخرجات تقليدية يحاكي بعضها بعضًا، دون كشف عن جديد، وهو ما يقلل من فرص تأثيرها واستثمارها في مجالات بعيدة، وليس التحديث فيها مهمة يقدر عليها النفر أو بعض الأنفار، بل تحتاج إلى عمل جماعي يراجع المناهج القديمة، ويقارنها بما يناظرها من جامعات العالم، ليحدد جوانب القصور والنقص، امتثالًا لضرورة الواقع وتطبيقًا لواجب التعليم.