عند هذه النقطة يصبح اختيار تنظيم «داعش» توقيت تفجيري السابع من يوليو الجاري مفهومًا. فقد وقعا بينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يزور دمشق. وكانت الرسالة أن التنظيم لا يحتاج اليوم إلى إسقاط الدولة، ولا إلى السيطرة على مدينة كما فعل قبل سنوات، بل يكفيه أن يشكك في قدرة الحكومة الجديدة على حماية العاصمة، وأن يدفع مستثمرًا إلى التردد، وأن يعيد القلق إلى مواطن بدأ يسأل إن كانت بلاده تتجه نحو الاستقرار.
كتبت الأسبوع الماضي عن التفجير الذي استهدف مقهى في شارع النصر بدمشق. لم يكن السؤال يومها من زرع العبوة فقط، بل لماذا اختير مكان مدني مكتظ، ولماذا في ذلك التوقيت؟ رجحت أن يكون داعش، أو خلية تتبنى طريقته، وراء العملية، لأن التنظيم بات يعتمد على مجموعات صغيرة وعمليات محدودة تعيده إلى واجهة الأخبار من دون أن يسيطر على الأرض. لكنني أبقيت المسؤولية النهائية رهن التحقيق.
التحقيقات التي أُعلنت لاحقًا لم تحسم حتى الآن مسؤولية تفجير المقهى، لكنها أكدت التحذير الأساسي المتعلق بعودة داعش إلى العمل داخل المدن، إذ أعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق العميد أحمد الدالاتي، أن التحقيقات الأولية مع الخلية المتورطة في تفجيري السابع من يوليو أظهرت تبعيتها للتنظيم.
ولم يكن السابع من يوليو تاريخًا عابرًا. ففي ذلك اليوم كان ماكرون يقوم بأول زيارة لرئيس فرنسي إلى دمشق منذ عام 2009. لذلك لم يكن التفجيران محاولة لإيقاع ضحايا فحسب، بل محاولة لضرب صورة العاصمة في يوم سياسي حساس، وإرسال رسالة إلى الدبلوماسيين والشركات التي تفكر في العودة، مفادها أن الأمن ما زال هشًا وأن الثقة بسوريا قد تكون مكلفة.
أما الزيارة الفرنسية، فقد حملت ما هو أبعد من البعد الدبلوماسي، إذ ترأس ماكرون والرئيس أحمد الشرع اجتماعًا سوريًا فرنسيًا، وأُعلن عن إطار للتعاون ولجان اقتصادية ومذكرات تفاهم في الطاقة والمصارف والبنية التحتية والمياه والصحة والطيران والموانئ. كما بدأ مسار تبادل السفراء، وأعلنت فرنسا استعدادها لإعادة أكثر من خمسين مليون يورو من أموال مصادرة مرتبطة بأحد أفراد أسرة النظام السابق، إضافة إلى ثلاث وعشرين قطعة أثرية سورية.
هذه التفاصيل تعني أن العلاقة بدأت تنتقل من بيانات الدعم إلى المصالح، والدول قد تغير لهجتها بسرعة، لكنها حين تدخل في عقود واستثمارات تصبح أكثر ارتباطًا باستقرار البلد الذي تتعامل معه. مع ذلك، يبقى الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ هو الاختبار الأصعب.
وفي الاتجاه نفسه، أعلنت الولايات المتحدة بدء الإجراءات القانونية لإلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، ورغم أن القرار لم يصبح نهائيًا بعد، إذ يخضع لمراجعة في الكونغرس تستمر خمسة وأربعين يومًا، لكن بدء المسار يمثل تحولًا كبيرًا، فهذا التصنيف لم يكن مجرد عنوان سياسي، بل حاجز أمام المصارف والشركات والتحويلات والاستثمار. وإذا اكتمل رفعه سيزيل عائقًا ثقيلًا أمام التعافي وإعادة الإعمار.
كذلك استعادت سوريا كامل حقوقها وامتيازاتها في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية. هذه الخطوة لا تمحو جرائم النظام السابق، ولا تطوي حقوق الضحايا، لكنها تشير إلى أن المجتمع الدولي بدأ يميز بين الدولة السورية الجديدة وإرث البرنامج الكيميائي للنظام السابق.
ومع ذلك، لا يختصر اسم داعش المشهد كله، فسنوات الحرب تركت سلاحًا منفلتًا، وشبكات تهريب، وخبرات في التفخيخ، وبقايا مجموعات وأجهزة مرتبطة بالنظام السابق، والإشارة هنا إلى هذه البيئة لا تعني اتهامها بالتفجيرين، بل تعني أن التنظيمات الإرهابية لا تعمل في فراغ. كما قد تستفيد أطراف إقليمية من أي اهتزاز أمني في دمشق من دون أن تكون شاركت في التخطيط له، فالاستفادة من الجريمة ليست دليلًا على ارتكابها.
وبالتأكيد فإن نجاح الأجهزة الأمنية في الوصول إلى الخلية عبر الكاميرات والرصد والمداهمات المتزامنة يُحسب لها، لكنه ليس نهاية المعركة، والأمن لا يبدأ بعد الانفجار فقط، بل قبله، عبر جمع المعلومات وضبط السلاح وملاحقة التمويل.
قدّم الأسبوع الماضي صورتين متقابلتين لسوريا، دولة تستعيد مقعدها وتفتح أبوابها، وتنظيم إرهابي يحاول إعادة الناس إلى الخوف، والسؤال ليس أي الصورتين تصدرت نشرات الأخبار؟، بل أيهما ستثبت في حياة السوريين؟ فإذا تحولت الزيارات والقرارات إلى فرص استثمار وتحسن في الواقع المعيشي، فلن تستطيع خلية تابعة لداعش إعادة البلاد إلى الوراء.