الواقعة لا تدخل إلينا كما خرجت من العالم، وإنما تدخل بعد أن تمر على منافذ لا تُرى؛ تمر على الذاكرة، فتستدعي ما يشبهها، وعلى العاطفة، فتكسوها لونها، وعلى التجربة، فتقيسها إلى ما مضى، ثم تبلغ العقل وقد فقدت شيئًا، واكتسبت شيئًا، حتى يغدو السؤال: ماذا رأيت؟ أقل عمقًا من السؤال: بأي نفسٍ رأيت؟
ولذلك لم يكن الإدراك نافذة يطل منها الإنسان على الوجود، بقدر ما كان مرآة يعود الوجود فيها إلى الإنسان. فما أكثر ما نظن أننا نقرأ العالم، وليس العالم في كثير من الأحيان إلا الصفحة التي نقرأ فيها أنفسنا. إننا لا نكتشف الأشياء دائمًا، بل نكشف عن طبائعنا ونحن نصفها؛ فمن وصف الناس، وصف نفسه من حيث لا يشعر، ومن أكثر الحديث عن الظلمة، فلعل في قلبه ظلًا لم ينتبه إليه.
وليس اختلاف الناس في تفسير الحوادث دليلًا على اضطراب الحقيقة، وإنما هو شاهد على أن النفس شريكة في كل معرفة. فالحدث واحد، ولكن المعنى الذي يولد منه ليس واحدًا. قد تكون الكلمة نفسها عزاء عند إنسان، وعتابًا عند آخر، وقد يكون الصمت مهابة في عين، وإعراضًا في عين أخرى. وما تبدلت الكلمة ولا الصمت، وإنما تبدلت الأرواح التي استقبلتهما.
ومن أعجب شأن النفس أنها لا تحب أن ترى العالم مجردًا عنها؛ فهي تكسو الأشياء من ألوانها، ثم تنسى أنها هي التي ألبستها. فإذا استقر في قلبها خوف، امتلأ الأفق بالمخاوف، وإذا سكنها رجاء، رأت في الغيم بشائر المطر، وإن كان الغيم لا يحمل إلا ظله. فهي لا تنقل العالم إلى الإنسان، بل تعيد إنشاءه على قدر ما استقر فيها.
وليس هذا عيبًا في الإنسان، بل هو بعض طبيعته؛ إذ لا يستطيع أن يخرج من نفسه ليبصر الأشياء من خارجها، كما لا تستطيع العين أن ترى ذاتها إلا إذا انعكست في مرآة. غير أن الحكمة تبدأ حين يدرك المرء أن مرآته ليست العالم، وأن الصورة التي يراها قد تكون أصدق ما يكون عنها، وقد تكون أبعد ما تكون منها.
ولعل الفارق بين العقل الناضج والعقل الغِرِّ ليس في كثرة ما يعلم، بل في مقدار ما يشك في أدوات علمه. فالأول يراقب نفسه وهي تُدرك، كما يراقب الأشياء التي يُدركها؛ لأنه يعلم أن الخطأ قد لا يكون في الواقع، بل في الطريق الذي سلكه الواقع حتى بلغ إليه. أما الثاني، فيطمئن إلى أول صورة تقع في نفسه، ويحسب أن الاطمئنان دليل الصواب، مع أن النفس قد تسكن إلى الوهم كما تسكن إلى الحقيقة.
الحقيقة ليست شيئًا نضيفه إلى ذواتنا، وإنما هي شيء ننتزع من أجله شيئًا من ذواتنا. فكلما خف سلطان الرغبة، واتسعت مساحة الإنصاف، انقشع عن الأشياء بعض ما ألقته النفس عليها من ظلالها. وليس المطلوب من الإنسان أن يتجرد من إنسانيته، فذلك محال، وإنما أن يعلم أن بينه وبين الحقيقة حجابًا رقيقًا اسمه: هو.
وربما لم يكن الطريق إلى المعرفة أن نزداد نظرًا في العالم، بقدر ما نزداد نظرًا في الكيفية التي ننظر بها إليه. فليس كل خطأ في الرؤية ناشئًا من غموض المنظور، بل قد يكون ناشئًا من صفاءٍ لم تبلغه المرآة بعد.
وهكذا يظل الإنسان طوال عمره يفتش عن الحقيقة في الآفاق، ثم يكتشف- بعد رحلة طويلة- أن أصعب ما في الطريق لم يكن بُعد الحقيقة، وإنما قُرب نفسه؛ وأن أول خطوةٍ نحو العالم ليست أن يفتح عينيه، بل أن يعرف العين التي ينظر بها، والقلب الذي يمنح الأشياء أسماءها.