فهذا الرجل الذي نيف على المائة عام (ناهَز عمره آنذاك 103 سنوات)، لم يبكِ غزة فحسب، بل بكى ظلمَ عالَمٍ ولا عدالتَه، هو الذي طالما دعانا إلى أن نكون واعين بتراجيديته وبتراجيدية مصائرنا فيه؛ كيف لا وهو الذي، بحسب كاتب سيرته الذاتية إيمانويل لوميو Emmanuel Lemieux بعنوان: «أكثر من مئة عام ليصبح إدغار موران»، تكونت حياته «من حيواتٍ متعددة، متشابكة مع مآسٍ وأحداث غير مسبوقة، وشِعر غير متوقع، ولقاءاتٍ حاسمة. معالِم، وإشارات، وتفاصيل مسيرة استثنائية».
بكى صاحبُ الفكر الحر و«المركب» وهو يَحْدُسُ بالتقدم العلمي والتكنولوجي الهائل وبالكارثة البشرية الشاملة: «نحن نسبح في عصرٍ غامض، ومُشتَبه به بحيث لن يكون بإمكاننا أن نتوقع ما سيَحدث»؛ «نعيش مغامرة مجهولة كالسائرين نيامًا...» (من حوار «المجلة الفلسفية» الفرنسية، العدد رقم 151 - أغسطس 2021).
فمع استشرافه عتبات الألفية الثالثة، وما رافقَ ذلك من تصاعُدٍ لحُمى التسلُح، ومن صواريخ تخترق الكوكب، ونجاح العقل البشري في مد بصره إلى أقاصي الكون السحيق وصولًا إلى أعمق نقاط الزمان والمكان، بما يشي بتقدمٍ علمي وتكنولوجي غير مسبوق، توالَت دعواتُه إلى تأملِ هذا التغول المُتعدد الأوجه، اقتصاديًا وتكنولوجيًا وعسكريًا..إلخ، في زمنٍ صار يَشهد ميلًا أكبر لدى المثقفين نحو التقوقع داخل مجالاتهم المعرفية والنأي «عن أفكارٍ ذات قيمة مدنية أو اجتماعية أو سياسية» أو حولوا بالتزاماتهم الحزبية «الأفكارَ إلى بارود للمَدافِع» أو غدوا نجومًا إعلامية يبيعون «الأفكار الرائجة في الاستهلاك» (إدغار موران، مقدمات للخروج من القرن العشرين).
إدغار موران الفرنسي اليهودي الذي عايشَ النازية والشيوعية وأشكالًا من التعصب والاضْطهاد الدينييْن، وامتدت مسيرته كسلسلة من المُقاومات، بدءًا من مقاومته السرية للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، مرورًا بالشيوعية كخلاص، من خلال انتسابه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي لعشرة أعوام (1941-1951)، رفضَ أن يكون الحزبُ مقصلةً لفكره النقدي؛ إذ حافظَ على فكره الحر، وجاهَر به مناهضًا النهج الستاليني وانحراف ديكتاتورية البروليتاريا إلى ديكتاتورية الحزب الواحد قَبل أن يُصار إلى طرده، وهو ما وثقه لاحقًا في كتابه الشهير «النقد الذاتي Autocritique» (1959)، مُستكملًا ثورته، حتى لحظة وفاته، على مختلف أشكال الاستبداد والدوغمائية والتعصب انطلاقًا من فكره «المُركب» الذي خصص له كتابه الشهير «مدخل إلى الفكر المركب (1990)Introduction à la pensée complexe». هذا الفكر الذي شكل عماد مشروعه الفكري الموسوعي الفذ «المنهج La Méthode» (1977-2004)، الرافض للتفكير التبسيطي والاختزالي، أو للرؤى أحادية الجانب، الطامح إلى معرفةٍ غير مُنقطعة عن الحياة الاجتماعية، لا تَرسم حدودًا صارمة ونهائية بين التاريخي والميتافيزيقي، بين الفرد والمُجتمع، بين العِلم والدين، بين الخطأ والصواب.. إيمانًا منه بالثنائيات المُكونة للتجربة الإنسانية. وعن الخطأ والصواب ذَكر أنه كوريثٍ لهيغل وماركس طالما ساورهُ اعتقادٌ أنه يتوجب عليه مُواجهةُ التناقضات وتجاوزُها، إلى أن ساعده هيراقليطس على إدراك أنه ليس من الضروري تجاوُز التناقُض للخروج منه، بل بإمكاننا أن نعيش التوترات المتواصلة من دون أن نكون في الخطأ أو في الصواب.
بفكره المركب هذا قارَبَ إدغار موران ظواهر العصر كلها بموسوعيةٍ فذة، لأن تفكيكَ هذه الظواهر وقراءتَها لا يستقيمان برأيه من دون تمازُج المعارف وتكامُل الحقول المعرفية؛ بذلك، أخرجَ أطروحتَه الفلسفية حول «الفكر المركب» من إطارِها النظري المجرد إلى أداةٍ عملية لتشريح أزمات العصر (السياسية، الاقتصادية، البيئية، النفسية) غير المعزولة عن بعضها البعض، بعيدًا عن التبسيط والسببية الخطية؛ وبين أن العالَمَ لا يُواجه أزمةً واحدة، بل «أزمة مركبة» نابعة من مجموعة من الأزمات المُتشابكة التي تتغذى من بعضها بعضًا، رابطًا بين المحلي والكوني، أي «الكل في الجزء، والجزء في الكل» في عالَمٍ باتَ فيه مصيرُ الفرد في أي بقعة من العالَم مُرتبطًا بما يجري على مستوى الكوكب وبمصير الإنسانية جمعاء.
الفكر المركب يواصل قراءاته
بفكره المركب أيضًا، قَرأ إدغار موران العالَمَ الجديد، خصوصًا في كتابه «إلى أين يسير العالَم؟ Où va le monde?» (2007)، وبه أيضًا قارَب جائحة كوفيد-19، وذلك في كتابه Changeons de voie (2020) الصادر في خضم تلك الأزمة والذي ألحقه بعنوانٍ فرعي هو: «دروس من فيروس كورونا». قارَب الجائحة فلسفيا وفكريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، مُتسائلًا مثلًا «هل سنتمكن من تنظيم الاقتصاد العالَمي، والحد من قوة الرأسمالية المفرطة، وإصلاح الأنظمة المصرفية، والسيطرة على المضاربة في الأسهم، ومنْع التهرب الضريبي؟ هل سنَجد مبادئَ اقتصادٍ يقوم على صفقةٍ جديدة من الانتعاش البيئي والإصلاح الاجتماعي من شأنها أن تُفضي إلى تراجُع الرأسمالية المفرطة والحد من عدم المساواة؟».
فكره المركب هذا دعمته ثقافتُه الموسوعية التي خولته الخوضَ في مختلف النواحي الحياتية والاجتماعية بتميز. فالدروس التي استخلصها من قراءته لوضعية جائحة كوفيد-19 جَعلتْهُ يدق ناقوس الخطر إنْ لم يُلْجَم جماحُ العَولمة الاقتصادية والتقنية التي ولدت في رأيه الكثير من الترابُطات بين الدول والشعوب، لكن من دون أن تولد ترابُطًا بينها. قراءته الجزء انطلاقًا من الكل (المجتمعي المحلي أو الإقليمي أو العالمي) والعكس صحيح، قادته على الدوام إلى تبيان المَسارِ المُقلِق للنظام العالَمي الجديد وتداعياته منذ أواخر الألفية الثانية على وجه التحديد، ولا سيما حين يبتعد العِلم والتقدم العلمي أو يفترقان عن الأخلاق والإنسانية؛ وهو ما كان قد نبه إليه منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي في كتابه «العِلم بالوعي» Science avec conscience» - 1982» (الذي أَضاف إليه فصولًا جديدة في الطبعة الثانية 1990).
كتابه «المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل Les Sept savoirs nécessaires à l.éducation du futur» (1999) أيضًا، بدا كثورةٍ فلسفية وفكرية واجتماعية في النظرة إلى التعليم بدلًا من أن يقتصر على ميدان التربية والتعليم فقط؛ إذ تمثلت إحدى أبرز هذه المعارف السبع في «تعليم الوضع الإنساني Enseigner la condition humaine»، أي تدريس معنى أن نكون بَشرًا قَبل أي شيءٍ آخر، وهو الأمر الذي لا يستوي مع النزوع الراديكالي نحو تجزيء المعارف (Le morcellement des savoirs)، والتخصصات المفرطة في الدقة (L.hyperspécialisation)، والفكر التجزيئي (La pensée disjonctive)؛ كما لا يستوي مع أزمات كوكبنا وما يشهده من تلوثٍ مناخي وبيئي، لأن المطلوب هو تعليم التضامن البشري بما يتجاوز حدودَ الدول (أي نحو المُواطَنة الكوكبية La citoyenneté planétaire)، وما تحتاج إليه من وعيٍ كوكبي (Conscience planétaire). لذا اعتُبر إدغار موران، إلى جانب فلاسفة آخرين مثل إيفان إليتش، وهانس جوناس وسواهم من الداعمين والمؤثرين في مجال الأخلاقيات البيئية الحديثة.
لا غرابة إذًا إن بكى المُلقب بـ«ضمير الإنسانية» و«ضمير العالَم الحي» على ما كان يجري في غزة، واصفًا إياه بالـ«المأساة المروعة» وبـ«مجزرة تَشهدها الإنسانية». فقد عرت دموعُهُ بشاعةَ ما يحصل، ولم تكُن البتة ضعفًا أو استسلامًا. كيف تكون كذلك وهو الرجل الذي بَذَلَ، على مدى قرنٍ، كل جهوده الفكرية وطاقاته للذوْدِ عن كينونة الإنسان.. من دون مَللٍ أو كَلل، وحتى الرمق الأخير.
البكاء مع إدغار موران يَعني مُواجهةَ عالَمٍ قاسٍ يَفترق العِلم والتكنولوجيا فيه أكثر فأكثر عن دَورِهما ومآلاتِهما الاجتماعية والسياسية؛ عالم يَتجه نحو ذاك الـ«مجهول» الذي دَأب على التنبيه من خطورته على البشرية جمعاء.
بكى «ضميرُ الإنسانية» واقعًا يرفضه العقل والضمير. بكى انحرافًا عن قيَمِ العدالة والمواطنة العالمية الحقة وعن قيَمِ الثورة الفرنسية (حرية، أخوة، مساواة). بكى صمتَ العالَم، ولا سيما الغربي، حيالَ ذبْح الفلسطينيين وإبادتهم. لكن بكاءه هذا الذي اختلطَ بصراخ إدانته للكراهية والتعصب وقوى التدمير، إنما جاءَ تتويجًا لإيمانه العميق بالإمكانات الخلاقة التي تولَد من رحمِ الأزمات.
إنه إدغار موران الذي ناقضَ، ذاتَ حوارٍ في جريدة «لوموند» Le Monde الفرنسية (2010/01/10)، مقولةَ المفكر السياسي الأمريكي فرنسيس فوكوياما في أن القدرات الخلاقة للتطور البشري قد استُنفِدَت مع الديمقراطية التمثيلية والاقتصاد الليبرالي، مُعلقًا بالقول إن «التاريخ هو الذي استُنفِدَ وليس القدرات الخلاقة للإنسانية».
إنه إدغار موران الفيلسوف وعالِم الاجتماع الذي لم يَنحرف عن مبادئه الكونية ذات النزعة الإنسانية؛ فهو حين ناصَر غزة لم يَنظر إلى الضحية بناءً على انتمائها العرقي أو الديني أو الجهوي، بل ناصَر شعبًا مظلومًا سَلبته دولة إسرائيل أرضَه وصادَرت حياتَه، مُتجاوزًا بذلك ازدواجيةَ المعايير والمنطقَ التبريري لجرائم هذه الدولة اللذيْن انزلقَ في شِراكِهما فلاسفة أخرون، فتداعَتْ لديهم الكونيةُ الأخلاقية، أمثال يورغن هابرماس، ولوك فيري، وميشال أونفراي، وراينر فورست وسواهم؛ هؤلاء الذين كشفَتْ «إنسانيتهم» عن امتيازٍ حصري للغرب وعن انحيازٍ تاريخي للمركزية الغربية ومنطق القوة.
إنه إدغار موران الذي أبى إلا أن يكون «ضمير الإنسانية»، انسجامًا مع إيمانه الراسخ بالقدرات والطاقات القمينة بإعادة تصويب التاريخ والعمل على «أَنْسَنة» تحولاته.
*مؤسسة الفكر العربي
* ينشر بالتزامن مع دورية أفق .