ما زلت أذكر أحد أيامي الأولى في سنة الامتياز لم يكن المطلوب مني تشخيص حالة نادرة، ولا إجراء تدخل طبي معقد، ولا اتخاذ قرار سريري مصيري، كان المطلوب أن أبلغ أسرة مريض بخبر وفاته. لم يكن ذلك لأنني أكثر الأطباء خبرة، بل لأنني كنت الوحيد في الفريق المناوب الذي يستطيع التحدث مع ذويه باللغة العربية! وقفت حينها أمامهم وأنا أدرك أنني قبل أيام قليلة فقط كنت طالبًا يجلس في قاعة محاضرات، يناقش الحالات السريرية، ويجيب عن أسئلة الامتحانات، أما الآن فقد أصبحت أقف أمام أسرة تنتظر كلمات لن تنساها ما بقيت حياتها، وأن الكلمات التي سأختارها ستبقى جزءًا من ذاكرة هذه الأسرة إلى الأبد. في تلك اللحظة أدركت أن الامتياز ليست مجرد سنة تدريب، إنها السنة التي يبدأ فيها الطبيب بتعلم ما لا يمكن أن تعلمه الجامعة.
فالجامعة تعلمنا كيف نشخص المرض، وكيف نختار العلاج، ونقرأ الأدلة العلمية. لكنها لا تستطيع أن تعلمنا بالكامل كيف نحمل مسؤولية الكلمة، أو كيف نواسي أسرة فقدت عزيزًا، أو كيف نطمئن مريضًا خائفًا، أو كيف نعترف بأننا لا نعرف، أو كيف نطلب المساعدة في الوقت المناسب. لهذا صممت سنة الامتياز لتضيف، وتشكل هوية الطبيب المهنية.
وهذا يفسر لماذا بقيت سنة الامتياز جزءًا أساسيًا من إعداد الأطباء في معظم دول العالم، رغم اختلاف المناهج والجامعات. فالمعرفة الطبية يمكن أن تكتسب داخل قاعات الدراسة، لكن تحمل المسؤولية لا يكتسب إلا بالممارسة. الجامعة تستطيع أن تهيئ الطالب لهذه اللحظة، لكنها لا تستطيع أن تصنعها له. ولهذا لم توجد سنة الامتياز لتعويض نقص في التعليم، إنما لاستكمال ما لا يستطيع التعليم وحده أن يقدمه.
منذ ذلك اليوم - وبحكم عملي في التعليم الطبي - صرت أتابع باهتمام كيف يعيش جيل جديد من المتدربين هذه السنة نفسها، لكن بعين تختلف كثيرًا عن العين التي عرفتها. أصبحت الأسئلة التي تتردد بين كثير من أطباء الامتياز لا تدور حول «ما الذي سأتعلمه هذا العام؟»، إنما كم دورة ينبغي أن أحضر؟ وكم بحثًا يمكن أن أنشر؟ وكم شهادة يمكن أن أحصل عليها؟ وما أفضل طريقة لزيادة فرص القبول في برنامج الإقامة؟
لا شك أن هذه الأسئلة مشروعة، فالمنافسة على برامج التدريب والزمالة أصبحت أشد من أي وقت مضى، ومن الطبيعي أن يسعى كل متدرب إلى بناء ملف مهني قوي. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول سنة الامتياز بهدوء ودون أن نشعر، من سنة لبناء الطبيب إلى سنة لبناء السيرة الذاتية.
المؤكد أنه لا يمكن تحميل المتدربين وحدهم مسؤولية هذا التحول، فالطلاب مثل غيرهم يستثمرون وقتهم فيما تكافئه الأنظمة. فإذا أصبحت الدورات والأبحاث والشهادات هي العناصر الأكثر تأثيرًا في فرص القبول، فمن الطبيعي أن تتجه إليها الجهود حتى إن كان ذلك على حساب خبرات لا تقل أهمية، لكنها لا تظهر في أي نموذج للمفاضلة. ومع ذلك فإن أعظم ما تمنحه سنة الامتياز لا يمكن اختزاله في رقم، ولا إضافته إلى بند في السيرة الذاتية.
فهي السنة التي يتعلم فيها الطبيب كيف يتحدث مع المريض قبل أن يتحدث عن المرض، وكيف يعمل ضمن فريق، وكيف يوازن بين سرعة القرار ودقته، كيف يكتشف أن الطب ليس سلسلة من الإجابات النموذجية، إنما مسؤولية أخلاقية وإنسانية يعيشها كل يوم.
لهذا فالمسؤولية لا تقع على المتدرب وحده، إنما تمتد - أيضًا - إلى الجهات المنظمة للتدريب الطبي وبرامج الإقامة، فيجب أن تطور أدوات تقييم تكافئ النضج المهني والاحترافية والتواصل والعمل الجماعي، بقدر ما تكافئ الإنجاز الأكاديمي والبحثي، فكلما اقتربت معايير التقييم من جوهر الممارسة، اقتربت سنة الامتياز من الهدف الذي وجدت من أجله. ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل متدرب على نفسه في نهاية هذه السنة هو: أي طبيب أصبحت؟
بعد سنوات لم يعد في ذاكرتي عدد المحاضرات التي حضرتها، ولا الدورات التي كان يمكن أن أحصل عليها في ذلك اليوم، لكنني ما زلت أتذكر تلك الأسرة التي وقفت أمامها في بداياتي، لأنها كانت اللحظة التي أدركت فيها أن الطب يبدأ عندما نصبح أهلًا للمسؤولية التي تضعها المهنة بين أيدينا.
الجامعة تمنحنا المعرفة... أما سنة الامتياز فهي التي تبدأ في تشكيل الطبيب الذي سنكونه بقية حياتنا.