تخيل أن يتعرض رائد فضاء لحالة طارئة على سطح القمر تستدعي تدخلاً جراحيًا عاجلًا، بينما يجلس الجرّاح الذي سينقذ حياته في غرفة عمليات داخل العاصمة الرياض، يحرك أصابعه أمام شاشة تحكم، فتستجيب أذرع روبوتية على بعد مئات الآلاف من الكيلومترات لتجري العملية بدقة متناهية.

قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال، إلا أن الواقع التقني يسير بخطوات متسارعة نحوه، بعدما أثبتت التجارب الحديثة أن المسافات لم تعد عائقًا أمام إنقاذ الأرواح.

غرفة عمليات بلا حدود


تؤكد النجاحات المتتالية في مجال الجراحة الروبوتية أن هذا التحول لم يعد مجرد تصور علمي، بل أصبح واقعًا عمليًا، وهو ما تجسد في نجاح استشاري الجراحة الروبوتية الدكتور ماهر المؤذن في تنفيذ أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد يجريها جراح سعودي بين مدينتي شنجن وبكين في الصين عبر مسافة تجاوزت 1900 كيلومتر، بزمن تأخير لم يتجاوز 73 مللي ثانية، وهو من أدنى معدلات التأخير اللازمة لإجراء عمليات دقيقة وآمنة. وتُعد هذه التجربة نموذجًا حيًا لما وصلت إليه التقنيات الطبية الحديثة، وما تمثله من خطوة متقدمة في مسيرة التحول الصحي بالمملكة.

قيادة أم تنفيذ؟

أوضح الدكتور ماهر المؤذن أن مفهوم الجراحة الروبوتية قد يُساء فهمه لدى كثيرين، إذ يعتقد البعض أن الروبوت يجري العملية بصورة مستقلة، بينما تبقى جميع القرارات الطبية والحركات الجراحية بيد الجرّاح.

أشار إلى أن الروبوت لا يتخذ أي قرار، وإنما يترجم حركة يد الجرّاح إلى حركات دقيقة داخل جسم المريض، مع إزالة اهتزاز اليد البشرية، وتوفير رؤية ثلاثية الأبعاد مكبرة، وإتاحة الوصول إلى مناطق يصعب بلوغها بالأدوات التقليدية.

أضاف أن هذه التقنية تُستخدم اليوم في عديد من التخصصات، من بينها جراحات المسالك البولية، والأورام، وأمراض النساء، والقلب والصدر، والعظام، والسمنة، والجراحة العامة.

عندما تختفي المسافات

أكد المؤذن أن القيمة الحقيقية للجراحة عن بُعد تكمن في إزالة الحواجز الجغرافية، بحيث لا يصبح المريض مضطرًا إلى السفر للحصول على أفضل الخبرات الطبية، بل تنتقل خبرة الجرّاح إليه أينما كان.

بيّن أن هذه المنظومة تعتمد على تكامل الروبوتات الجراحية متعددة الأذرع، والتصوير ثلاثي الأبعاد، وشبكات الألياف البصرية، وتقنيات الجيل الخامس، ولاحقًا الجيل السادس، إلى جانب الأقمار الصناعية منخفضة المدار، وأنظمة الأمن السيبراني التي تضمن سلامة الاتصال وحماية بيانات المرضى.

أشار إلى أن هذه المنظومة قد تجعل إجراء العمليات ممكنًا خلال السنوات المقبلة في المناطق النائية، وعلى السفن، وفي الطائرات، وحتى في المهمات الفضائية.

مستقبل الجراحة

أوضح المؤذن أن الجراحة الحديثة لن تعتمد على الروبوت وحده، بل على تكامله مع تقنيات الذكاء الاصطناعي. بيّن أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على التعرف على الأعضاء والأوعية الدموية، والتنبيه إلى احتمالات النزيف، وتحليل الفيديو الجراحي، ودعم الجرّاح في اتخاذ القرار أثناء العملية. أضاف أن السنوات المقبلة ستشهد دمج تقنيات الواقع المعزز والواقع المختلط، بحيث تظهر الأعصاب والأورام فوق الصورة الحقيقية للمريض أثناء الجراحة، إلى جانب تقنية التغذية الراجعة اللمسية التي تمنح الجرّاح إحساسًا بقوة الضغط على الأنسجة رغم وجوده على بعد آلاف الكيلومترات.

مشروع وطني

أكد المؤذن أن الجراحة الروبوتية لا تعني مجرد شراء روبوت جراحي، بل تمثل مشروعًا وطنيًا متكاملًا يقوم على الجودة، وسلامة المرضى، والتعليم، والبحث العلمي، والاستدامة المالية. أشار إلى أن شراء الأجهزة قد يستغرق أشهرًا، بينما يحتاج بناء برنامج وطني ناجح إلى قيادة مؤسسية، وحوكمة، وتدريب الكوادر الوطنية، واستثمار طويل الأمد، مؤكدًا أن نجاح هذه البرامج يقاس بتكامل المنظومة الطبية والتقنية والبشرية.

جاهزية رقمية

يرى المؤذن أن نجاح تنفيذ أول عملية جراحية روبوتية عن بُعد يعكس اهتمام المملكة بتبني أحدث الابتكارات الطبية، ويؤكد أنها بدأت خطوات عملية نحو توطين هذا النوع من التقنيات، مستفيدة من بنيتها الرقمية المتقدمة، وشبكات الاتصالات، والكفاءات الطبية الوطنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.

كان المؤذن أحد مؤلفي الدراسة العلمية «تطبيقات الميتافيرس في الطب والجراحة»، التي استعرضت أحدث التطبيقات الطبية خلال الفترة بين يناير 2023 وأبريل 2025، وشملت الإرشاد الجراحي عن بُعد أثناء العمليات، والتدريب الجراحي داخل بيئات افتراضية غامرة، وإنشاء مستشفى افتراضي عالمي عبر منصة SPATIAL يتيح للجراحين الاجتماع والتعاون ومتابعة العمليات لحظيًا، والاستشارات في علم الأمراض الرقمي، وعقد المؤتمرات العلمية داخل بيئات افتراضية، والاستشارات الجراحية أثناء الرحلات الجوية، وتجارب الاستغاثة الطبية عبر الأقمار الصناعية. أكد أن نتائج الدراسة أظهرت جودة عالية في الاتصال والصوت والصورة، ورضا مرتفعًا لدى المشاركين، وعدم تسجيل أي مخاطر على المرضى، مما يعزز فرص توظيف هذه التقنيات في التدريب والتعليم والرعاية الصحية عن بُعد.

استشارات في السماء

أشار المؤذن إلى أن من أكثر التطبيقات التي تناولتها الدراسة إثارة نجاح تنفيذ استشارة جراحية خلال رحلة طيران تجارية بين روما ودبي باستخدام خدمة الإنترنت على متن الطائرة، بما يفتح المجال لتقديم الدعم الطبي الفوري للمسافرين أثناء الرحلات الجوية.

استعرضت الدراسة كذلك تجربة نظام استغاثة طبي يعتمد على الأقمار الصناعية، يتيح للمريض إرسال موقعه وسجله الطبي والتواصل مع الطبيب في المناطق الصحراوية، وعلى السفن، وفي الطائرات، وحتى في البيئات الفضائية.