قاعدة مستدامة
ومن هذا المنطلق، تبدأ أرامكو السعودية رحلة إعداد مهندسي الحفر قبل انتقالهم إلى مواقع العمل لبناء قاعدة متينة من الكفاءات الوطنية المتخصصة. ومن أبرز المبادرات التي تعتمدها أرامكو السعودية في هذا المجال برنامج التدريب الميداني الذي يمتد لثلاثة أعوام، ويهدف إلى إعداد المشرفين الميدانيين السعوديين ومهندسي الحفر المساعدين للعمل في المواقع التشغيلية وتزويدهم بالخبرة العملية والمهارات الفنية اللازمة لمواجهة تحديات الحفر واستخدام أحدث التقنيات في بيئات العمل المختلفة.
ويجمع البرنامج، الذي أطلقته الشركة عام 2006، بين التدريب الميداني والتأهيل الأكاديمي والدورات التخصصية، بما يضمن مواءمة مخرجاته مع احتياجات القطاع. كما يشرف على البرنامج فريق متخصص من إدارة الموارد البشرية في قطاع التنقيب والإنتاج، بالتعاون مع خبراء ومهندسين ذوي خبرة واسعة.
وأسهم البرنامج على مدى السنوات الماضية في تسريع تأهيل مهندسي الحفر، وتعزيز جاهزيتهم لتولي المسؤوليات التشغيلية، بما يدعم بناء قاعدة مستدامة من الكفاءات الوطنية المؤهلة، ويعزز قدرة أرامكو السعودية على مواصلة النمو وتحقيق التميز في أعمال التنقيب والإنتاج.
أعمال حسّاسة ومعقدة
قد تبدو أعمال الحفر سهلة من الخارج، لكن الواقع أعقد بكثير. فالعمل يتطلب استخدام أدوات حفر ضخمة، ومعدات ثقيلة، وآلات متقدمة تتطلب المهارة والخبرة على حد سواء. كما أن الآبار ذات معدلات ضغط ودرجات حرارة مرتفعة، وغالبًا ما تتعامل فرق الحفر مع مواد خطرة، مع مراعاة مطلوبات الدقة، والتحليل الآني، والقدرة على التكيف السريع؛ فالعمل في مجال الحفر من المجالات القليلة التي يتعين فيها اتخاذ القرارات مع محدودية الرؤية لما يحدث تحت سطح الأرض.
ومنذ بدء عمليات الحفر، تبرز الحاجة إلى مراقبة مستمرة لما يمكن وصفه بـ «المؤشرات الحيوية» للبئر، أي حالتها التشغيلية وأدائها العام، وذلك باستخدام البيانات الفورية، بما يشابه متابعة الطبيب للمؤشرات الحيوية لمريضه. وتمثل بيانات البئر مجموعة المعلومات الشاملة التي تُجمع على امتداد دورة حياة البئر لدعم القرارات المتعلقة بأعمال التنقيب والتطوير.
وتكمن أحد أكبر تحديات أعمال الحفر في السرعة، فأحيانًا تتحول مشكلة واحدة إلى سلسلة من المشكلات المتعاقبة، على نحو يشبه تأثير تداعي أحجار الدومينو. ولتفادي ذلك ومنع تفاقم التعقيدات التشغيلية، من المهم اكتشاف المؤشرات التحذيرية المبكرة ومعالجتها في الوقت المناسب؛ لأن أي تغيير في منظومة الحفر، حتى لو كان بسيطًا، قد يؤثر على مختلف عناصر العملية التشغيلية.
استثمار في التقنية الحديثة
تستثمر أرامكو السعودية بشكل كبير في التقنية الحديثة وتطبيقاتها لتحسين كفاءة الأعمال، وزيادة الإنتاج، وخفض التكلفة، وتطوير تقنيات الأمان ورفع مستوى السلامة في مواقع الحفر، مثل استخدام أنظمة التحكم عن بعد لمراقبة عمليات الحفر وتحديد أي مخاطر محتملة، وتساعد هذه التقنيات في حماية العاملين في مواقع الحفر وتقليل المخاطر، وتسعى الشركة باستمرار إلى تطوير حلول رائدة وتصميم أدوات تتناسب مع طبيعة العمليات والتحديات الخاصة بالآبار. كما تسعى لجعل أعمال الحفر أكثر اعتمادًا على الأتمتة، ومن ذلك توظيف التقنيات الحديثة مثل أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستفادة من شبكة مراكز الأبحاث العالمية التابعة للشركة، ومنها مركز «إكسبك» للأبحاث المتقدمة. حيث يركز الباحثون على تطوير أحدث التقنيات، والبحث عن طرق أكثر ذكاءً وكفاءة لاستخراج النفط والغاز.
صلاحيات من أجل السلامة
يجتمع المهندسون وكبار العاملين على جهاز الحفر يوميًا، لمناقشة المخاطر المرتبطة بالأعمال المخطط تنفيذها وإجراءات السلامة الواجب اتباعها، مع التأكيد على مبدأ «صلاحية إيقاف العمل» وهي سياسة سلامة محورية تمنح أي موظف، بغض النظر عن منصبه، الحق في إيقاف العمل عند رصد أي خطر أو سلوك غير آمن. كما تُطبق مجموعة من الإجراءات الاحترازية لضمان بقاء البئر تحت السيطرة في جميع الأوقات، بما يسهم في حماية أصول الشركة ودعم استمرارية العمليات الآمنة. وتمثل هذه البرامج جزءًا من ثقافة السلامة الراسخة في أرامكو السعودية، حيث لا يتوقف التعلم والتطوير، سواء في المجالات الفنية، أو السلامة، أو المهارات الشخصية. وتواصل فرق الحفر اختبار الأفكار الجديدة، وتبني الابتكارات المجدية، وتحسين الإجراءات استنادًا إلى الخبرات المتراكمة. فالآبار التي كانت تتطلب في السابق نحو 120 يومًا لإنجازها، يمكن اليوم حفرها وإنجازها في أقل من شهر واحد، دون أي تأثير على معايير السلامة أو سلامة العمليات التشغيلية.