يُمثل موقف قوات الدعم السريع الأخير بالموافقة على هدنة الـ 90 يوماً المشروطة بالبقاء الميداني منعطفاً سياسياً بالغ التعقيد، ويعكس تحولاً جذرياً في تكتيكات الحرب الدبلوماسية والنفسية الموازية للمعارك على الأرض.

هذا الطرح لا يمكن قراءته بمعزل عن الرغبة في مأسسة «الأمر الواقع» وتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى مكاسب قانونية وجغرافية دائمة تحظى باعتراف دولي.

وتكمن المناورة الأساسية للدعم السريع في تفكيك المبادرات السابقة، وعلى رأسها «إعلان جدة» المبرم في مايو 2023؛ فبينما يتمسك الجيش السوداني بانسحاب القوات من المدن ومنازل المواطنين كشرط أساسي لأي تهدئة، يأتي هذا المقترح الأمريكي ليتجاوز تلك الشروط جزئياً، ما يمنح الدعم السريع فرصة «شرعنة» وجوده الحالي تحت غطاء المساعدات الإنسانية وبإشراف مباشر من الأمم المتحدة.عملياً، يحقق هذا الموقف مكاسب إستراتيجية متعددة للدعم السريع؛ فهو من ناحية يرفع الحرج الدولي عنه ويظهره كطرف مرن يستجيب للمبادرات الأمريكية والأممية، ومن ناحية أخرى يضع القيادة العسكرية للجيش السوداني تحت ضغط هائل أمام المجتمع الدولي، حيث سيُفسر أي رفض من جانب الجيش على أنه عرقلة لجهود الإغاثة الإنسانية وإطالة لأمد معاناة المدنيين.


أما على الصعيد العسكري والسياسي البعيد، فإن اشتراط «تأسيس جيش جديد» بدلاً من صياغة «الدمج» السابقة، يُمثل رفعاً كبيراً لسقف المطالب؛ حيث تسعى قوات الدعم السريع لفرض معادلة دستورية جديدة تضمن لها موقعاً قيادياً مستقلاً في مستقبل السودان العسكري.

وفي المقابل، يمنح هذا الإطار الزمني للهدنة (3 أشهر) القوات فرصة لالتقاط الأنفاس، وإعادة تنظيم الصفوف، وتأمين خطوط الإمداد اللوجستي بعد الخسائر الأخيرة التي تلقتها في جبهات دارفور والشمالية.

في المحصلة، يعكس هذا الموقف اتساع الفجوة بين الطرفين، مما يجعل الهدنة المقترحة صيغة صعبة التطبيق ميدانياً دون تنازلات جوهرية من أحد الجانبين.