وساطة إقليمية
تسارعت خلال الأيام الماضية التحركات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد العسكري، بعدما قدمت قطر وباكستان، بمشاركة مصر ووسطاء إقليميين، مقترحاً يقضي بوقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام، بهدف تهيئة الظروف لاستئناف المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، وإنقاذ مسار التفاهمات التي تعطلت مع اندلاع المواجهة الأخيرة.
ويرتكز المقترح على شرطين رئيسيين يتمثلان في وقف جميع العمليات العسكرية، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، باعتبارهما المدخل الضروري لإعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض، في ظل القلق الدولي من انعكاسات استمرار الأزمة على أمن الطاقة والتجارة العالمية.
هرمز أولاً
يتضمن المقترح إعادة تشغيل ممري الملاحة في مضيق هرمز بصورة كاملة، بحيث يكون الممر الجنوبي عبر المياه العمانية آمناً من أي هجمات إيرانية، فيما يكون الممر الشمالي عبر المياه الإيرانية بعيداً عن أي حصار أو إجراءات عسكرية أمريكية. كما تتضمن الرؤية المطروحة بدء مفاوضات خلال فترة الهدنة للتوصل إلى آلية دائمة لتنظيم الملاحة في المضيق، تشمل أحد خيارين؛ الأول السماح لإيران بتحصيل رسوم مقابل خدمات الأمن البحري وفق نموذج مشابه لما هو مطبق في مضيق ملقا، والثاني إنشاء صندوق دولي بإشراف المنظمة البحرية الدولية تودع فيه هذه الرسوم لضمان حياد إدارتها.
هدوء حذر
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت طهران تعليق عملياتها العسكرية ضد المصالح الأمريكية ودول المنطقة، بعد تأكيدها توقف الضربات الأمريكية على إيران خلال الليلتين الماضيتين.
وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا إن الإستراتيجية الإيرانية تقوم على «الرد بالمثل»، مشيراً إلى أن توقف الهجمات الأمريكية قابله تعليق العمليات الإيرانية، لكنه عاد وحذر من أن أي استئناف للغارات الأمريكية سيؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، متهماً واشنطن بالانحياز إلى إسرائيل.
ويعد هذا الهدوء الأول من نوعه منذ اندلاع المواجهة المباشرة في الثامن من يوليو، حين تبادلت واشنطن وطهران الضربات عقب استهداف سفينة تجارية في مضيق هرمز، لتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التصعيد العسكري.
حصار مستمر
ورغم مؤشرات التهدئة، شددت القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» على أن الحصار البحري المفروض على إيران لا يزال قائماً بكامل إجراءاته، وأوضحت أن قواتها غيرت مسار عدد من السفن التجارية التي حاولت الوصول إلى إيران، وأوقفت سفناً أخرى لمخالفتها التعليمات.
ضغوط متزامنة
وفي تطور موازٍ، صعّدت إيران لهجتها تجاه أوكرانيا بعد استهداف سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين، معتبرة الهجوم انتهاكاً للقانون الدولي، ومؤكدة احتفاظها بحق الرد المشروع، فيما استدعت القائم بالأعمال الأوكراني في طهران لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية.
وفي أوروبا، أثارت تقارير بريطانية عن رصد أشخاص يشتبه بارتباطهم بالأجهزة الاستخباراتية الإيرانية أثناء محاولتهم دخول المملكة المتحدة عبر قوارب المهاجرين، مخاوف أمنية متزايدة، رغم تأكيد السلطات البريطانية أن تلك المزاعم لا تزال قيد التحقق، وأن جميع الوافدين يخضعون لإجراءات أمنية مشددة.
وبين تحركات الوسطاء الإقليميين واستمرار الضغوط العسكرية والبحرية، تبدو الهدنة المقترحة فرصة لاختبار جدية الطرفين في العودة إلى المسار الدبلوماسي، إلا أن استمرار الملفات الأمنية المفتوحة يجعل مستقبل التهدئة مرهوناً بقدرة واشنطن وطهران على ترجمة الهدوء الميداني إلى اتفاق سياسي أكثر استدامة.