تشهد الساحة السودانية تصعيدا ميدانيا متسارعا على أكثر من جبهة، إذ تمكن الجيش من استعادة السيطرة على مدينة الكرمك الإستراتيجية في ولاية النيل الأزرق بعد معركة ضارية استمرت ساعات طويلة، في وقت تتعرض فيه ولاية شمال كردفان لهجمات متكررة من قوات الدعم السريع خلفت ضحايا في صفوف المدنيين واستهدفت محطات المياه التي تغذي آلاف النازحين. وفي موازاة ذلك، كشفت الخرطوم عن مسار تفاوضي سري مع واشنطن استمر أكثر من عام بشأن اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية، في مؤشر على أن المعركة لم تعد محصورة بالميدان بل امتدت إلى الساحة الدبلوماسية والقانونية الدولية.

استعادة الكرمك

أعلن رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، أن استرداد حقوق الشعب السوداني وحماية سيادة البلاد ووحدتها واجب وطني لا يمكن التفريط فيه، مؤكدا استمرار الدولة في مواجهة التحديات التي تهدد أمنها واستقرارها. جاءت تصريحات البرهان عقب سيطرة الجيش على مدينة الكرمك وتأمين بوابتها الشرقية، في تطور اعتبره مسؤولون عسكريون خطوة مفصلية على جبهة النيل الأزرق. ونقلت كاميرات فضائية عربية مشاهد من داخل المدينة كأول تغطية ميدانية توثق الأوضاع فيها بعد المعركة التي استمرت أكثر من ست ساعات، وانتهت بانسحاب قوات الدعم السريع وعناصر من الحركة الشعبية تحت وطأة الضغط العسكري. وتكتسب الكرمك أهميتها من موقعها القريب من الحدود الإثيوبية، ما يمنحها ثقلا لوجستيا وعسكريا في مسار العمليات الدائرة بين الطرفين.


دماء بالأبيض

في مقابل التقدم على جبهة النيل الأزرق، شهدت ولاية شمال كردفان هجوما داميا استهدف بلدة بربر الواقعة جنوب مدينة الأبيض وغرب مدينة الرهد، أسفر عن مقتل خمسة عشر مدنيا وإصابة سبعة آخرين. واتهمت حكومة الولاية قوات الدعم السريع بالوقوف خلف الهجوم الذي وصفته بالغادر لاستهدافه مدنيين عزلا، في انتهاك صريح للقانون الإنساني والأعراف والقيم، مشيرة إلى أن القوة المهاجمة نهبت رؤوس ماشية وروعت السكان الآمنين. وأكد بيان صادر عن لجنة أمن الولاية أن القوات المسلحة والقوات النظامية تحركت فورا لملاحقة العناصر المعتدية وتمكنت من دحرها وإجبارها على الفرار قبل بسط السيطرة الكاملة على المنطقة، فيما تتواصل عمليات التمشيط لمنع تكرار الاعتداء. وفي السياق ذاته أفادت مصادر محلية بأن طيرانا مسيرا تابعا لقوات الدعم السريع استهدف محطات مياه في بلدة أم نبق ومدينة رهيد النوبة، وهي المحطات التي توفر مياه الشرب لآلاف النازحين الفارين من مناطق أم سيالة وجبرة الشيخ وشرق بارا، ما ينذر بأزمة إنسانية إضافية في منطقة تستقبل أعدادا متزايدة من النازحين. ولم تصدر قوات الدعم السريع أي تعليق حتى الآن على الاتهامات الموجهة إليها أو على حصيلة الضحايا التي أعلنتها السلطات المحلية.

ملف الكيميائي

على الصعيد الدبلوماسي، أعلنت الحكومة السودانية استعدادها للتعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للتحقق من الاتهامات الأمريكية التي تطال الجيش باستخدام هذا النوع من الأسلحة، مؤكدة أن اللجنة الوطنية التي شكلتها سابقا لم تكن بديلا عن الآليات الدولية المنصوص عليها في الاتفاقية الدولية ذات الصلة. وكشفت الخرطوم للمرة الأولى عن وجود قناة تفاوض ثنائية مع الولايات المتحدة ناقشت هذه الاتهامات لأكثر من عام، موضحة أنها اقترحت في أكثر من مناسبة إرسال خبراء أمريكيين لإجراء تحقيق ميداني إلا أن واشنطن لم تستجب لهذه الدعوات. وأعربت الخارجية السودانية عن استغرابها من تجاهل الجانب الأمريكي لمسار التشاور الذي استمر أكثر من عام، مؤكدة أن واشنطن لم تقدم خلال هذه الفترة أي دليل مادي أو فني يسند اتهاماتها، واعتبرت أن العقوبات التي فرضتها تستند إلى اعتبارات سياسية أكثر من استنادها إلى حقائق قانونية أو فنية. يذكر أن واشنطن فرضت حزمتين من العقوبات على الحكومة السودانية، دخلت ثانيتهما حيز التنفيذ في العشرين من الشهر الجاري، وشملت قيودا على الصادرات والتمويل والمساعدات غير الإنسانية. كما ذكّرت الخارجية السودانية برفضها السابق لعمل بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة التي شكلها مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2023، متهمة إياها بالانحياز ضد الجيش، مع التمييز بين ولاية تلك البعثة المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان وبين اختصاص منظمة حظر الأسلحة الكيميائية الفني الخاص بالتحقق من مزاعم الاستخدام.