«اتفاق مكّة» مشروع لمستقبل الأمن والاستقرار في عموم المنطقة، أكثر مما هو للتعامل المباشر مع الحرب الأمريكية على إيران وتداعياتها. لا السعودية ولا تركيا ولا باكستان لديها مطامع وخطط علنية أو خفية لمهاجمة إيران أو إسرائيل (أو أي دولة أخرى) رغم أنهما أبدتا وتبديان باستمرار طموحات توسعية. فما يهدف إليه الاتفاق الدفاعي بين الدول الثلاث هو حماية شعوبها وحدودها وأراضيها من أي عدوان على إحداها، وإلى التعاون والتنسيق في ما بينها لإظهار وسائلها الردعية المسبقة حتى لا تضطر إلى تفعيل قدراتها العسكرية، ولعل الأهم أنها تطمح فعلياً إلى تعزيز مشاريعها التنموية، كما هو واضح على المستوى الوطني لكلٍّ منها، ما ينعكس على محيطها.

قيل الكثير عن «اتفاق مكّة»، قبل التوقيع عليه وبعده، فهو ثمرة حوار معمّق بين أطرافه وكذلك مع أطراف قد تنضمّ إليه أو تدعمه وتبقى خارجه. بعضٌ مما قيل إنه أصبح واجهةً لواقع جيو- سياسي جديد في المنطقة، وبعضٌ آخر يُفترض أن يأتي في مستقبل قريب ليشكّل مظلة أمنية متعددة المستويات. فهذا الاتفاق ليس شكلياً ولا استعراضياً ولن يكون حبراً على ورق، ولا الظروف الإقليمية والدولية تسمح له بأن يكون كذلك. ولا شك أنه يستطيع أن يؤسس منظومة أمن إقليمي على قواعد راسخة، ثم إنه أحدث لتوّه تغييراً في ميزان القوى وسيفرض تلقائياً مراجعة للحسابات سواء أكانت «إمبراطورية» كما عبّرت عنها طهران في أكثر من مناسبة، أو «مشاريع هيمنة» و«شرق أوسط جديد» كما روّجت لها إسرائيل.

الدول الثلاث أثبتت جدّيتها على المستوى الدولي والإقليمي، بدءاً من علاقات جيدة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى كفاءة وصدقية في أدوار الوساطة التي استطاعت، مع مصر وقطر، أن تفرمل الحرب على إيران، وبمعزل عما تفتعله طهران لإطالة الحرب فإن الرئيس الأمريكي بات يثق بمشورة هذه الدول أكثر مما ينصت إلى حليفه الإسرائيلي الذي يحبذ استمرار الحروب التي يخوضها. وكانت هذه الدول، مع مجموعة الدول الثماني العربية - الإسلامية، تمكنت من إقناع الرئيس الأمريكي ودفعه إلى طرح خطته لوقف إطلاق النار في غزّة، ولا تزال رقيباً غير مرغوب فيه إسرائيلياً كونه يمارس ضغوطاً لتنفيذ المراحل التالية من «اتفاق غزّة»، وفي ضوء البيان الذي صدر أخيراً عن اجتماع الدول الـ 8 في عمّان يُتوَقَّع أن تكون لها كلمة لوقف مشروع إسرائيل لضمّ الضفة الغربية واعتمادها على إرهاب المستوطنين ضد السكان الفلسطينيين.


في سياق التقويم الشائع حالياً بأن حرب إيران ماضية إلى تغيير توازنات المنطقة أمنياً وسياسياً، يبدو «اتفاق مكّة» عنصراً أساسياً في هذا التغيير، بل خطوة ضرورية ومنطقية يعتبر كثيرون أنها «تأخرت». لكن المهم أنه جاء، شكلاً ومضموناً، في اللحظة التي تجعل منه رسالة واضحة ومفهومة: فهذا اتفاق بين دول تعمل فعلاً على إنهاء الحروب لا على إذكائها، وهي لا تتكتّل لشنّ أي حرب، لكنها تدرك بطبيعة الحال أن أي تغيير مستقبلي في المنطقة لا يمكن أن يكون إيجابياً إذا أريد بناؤه على تداعيات حروب إيران وإسرائيل من غزّة إلى لبنان وسوريا واليمن إلى إيران نفسها. وإذا وجد بعض الجهات صعوبة في فهم «اتفاق مكّة» ودوافعه الآنية والمستقبلية فلأنه جديد من نوعه، ولن يطول الوقت حتى يُفهم على حقيقته.

تتصرّف إيران على أساس أنها حسمت حربها مع الولايات المتحدة لمصلحتها، وبات في إمكانها أن تنتقل إلى مرحلة تالية ترمي من خلالها إلى فرض نفوذها و«زعامتها» على الإقليم، ولا ترّكز حساباتها المستقبلية على استجابة حاجات شعبها طالما أنه مكّن النظام من الصمود، بل على التهديد والابتزاز المباشرين لدول المنطقة، أو غير المباشرين عبر الوكلاء على غرار ما يفعله حوثيّو اليمن والفصائل «الولائية» العراقية ضد السعودية و«حزب الله» ضد لبنان- الدولة. وتتصرّف إسرائيل باعتبار أنها وسّعت احتلالاتها في غزّة ولبنان وسوريا، وقياساً إلى ما ارتكبته تاريخياً ضد فلسطين وشعبها، فإنها تقيم حساباتها المستقبلية على أساس أنها ستبقى منفلتة ولا تُساءَل أو تُحاسَب، لكنها تتعرّض حالياً لضغوط أمريكية كي تخفض التصعيد في غزّة ولبنان، وإنْ كان ذلك من المرّات النادرة التي لا يُبنى عليها.

في الحالين تبدو الإدارة الأمريكية متكيّفة في مأزقها الراهن مع «اتفاق مكّة»، كذلك مع دور مجموعة الدول الثماني، وباتت إيران وإسرائيل مضطرّتين لأخذ هذا الواقع في الحسبان. صحيح أن هذا الاتفاق لا يشكّل تهديداً «وجودياً» لهما، إلا أن طابعه الردعي من شأنه أن يخفض أو يحجّم المكاسب التي يتوقعانها من مغامراتهما. أما انزعاجهما من الاتفاق فظهر في ردّي فعلهما، فالإسرائيلي استخفّ بالقدرات العسكرية التي ينطوي عليها، والإيراني استعاد شعار «وحدة المسلمين» متجاهلاً أنه دأب على إحباطها، لكن الاثنين تجاهلا أن «اتفاق مكّة» تحالف مفتوح لقوى العقلانية والتنمية والسلام الحقيقي.

* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»