(1)

تختنق الشاشات اليوم بمسلسلات لا شكَّ أن تكلفة إنتاجها ضخمة، بيد أن العزوف عن التلفزيون أصبح أمرًا ملموسًا. وثمة سؤال محير يفرض نفسه وأنت ترى تلك الجهود الخرافية لإنتاج مسلسل ما —سواء كان موجهًا لفضائية أو لمنصة رقمية— وهو: من يشاهد كل هذا «التعب»؟!

(2)


قبل أن نُبحر في هذه الجزئية، ومن خلال استقراء سريع لنصف قرن مضى، نجد أن «الدراما» كانت توهمنا دومًا بأنها تعالج «سلبيات» المجتمع، أو تعكس واقعه وماضيه، أو تستشرف مستقبله. والحقيقة أن الدراما لم تفعل ذلك يومًا ولن تفعله؛ لأنها بطبيعتها «فن المفترَض والمبالغة»، ولم تتعدَّ كونها مجرد «عمل مسلٍ» لم يؤثر حقيقة في «الشارع» —في دول العالم الثالث على الأقل— أو أداة تُستخدم في مشروعات «التعبئة» ليس إلا! هذا ما كان في زمن مضى؛ أما اليوم، وفي عصر «PUBG»، فإن الدراما باتت كمن «يغمز» في الظلمة!

(3)

الملاحظ أن صناعة «الدراما» أصبحت تتجه اليوم نحو تفاصيل تسويقية بحتة ونقاط جذب تجارية؛ كالإثارة، والإغواء، وزوايا التصوير «الخبيثة»، والاستفزاز اللفظي؛ ومؤثري «السوشال ميديا» وذلك لأن القصة والحبكة لم تعد وحدها كافية لجذب المشاهد.

(4)

المنصات الرقمية، والأجهزة المحمولة الذكية، وحرية اختيار المادة المعروضة، وتطور سرعات الإنترنت، بالتوازي مع تسارع أحداث العصر وتغير اهتمامات الجيل الجديد؛ كل هذه العوامل أعدمت فرص الجلوس التقليدي أمام التلفاز، وأنهت علاقة إنسان هذا العصر به، باستثناء متابعة بعض البرامج الرياضية أو الحفلات الفنية، والتي يمكن مشاهدتها أيضًا عبر الأجهزة الذكية.

(5)

أكدت دراسة علمية أُجريت عام 2019 بعنوان: «تأثير الإنترنت على أنماط مشاهدة التلفزيون لدى الشباب السعودي» —وعلى الرغم من أنها اقتصرت على مسح ميداني لـ400 طالب من جامعة الملك سعود— أن استخدام الإنترنت أسهم بشكل مباشر في إحداث انخفاض حاد في الوقت الذي يقضيه الشباب السعودي أمام شاشات التلفاز.

(6)

مشاهدة المسلسلات الطويلة عبر الأجهزة الذكية لم تعد أمرًا سهلًا؛ فالناس اليوم يسابقون «الساعة»، وتسبقهم الساعة!

(7)

لذا، فإن الطور الجديد والناجح من المسلسلات بات يعتمد على مواسم قصيرة ومعدودة، بحيث يضم كل موسم عددًا محدودًا من الحلقات تُعرض بواقع حلقة كل أسبوع، وهو ما منح هذه الأعمال نسب مشاهدة مرضية.

(8)

صناع «الدراما» ليسوا مطالبين بوقف إنتاج المسلسلات، بل بالانتقال الذكي إلى نظام «المواسم» وتقليل الحلقات؛ فطبيعة المرحلة الراهنة وإنسانها يفرضان بالضرورة نوعًا جديدًا من «الدراما».