تكشف العلاقة بين المُثُل الاجتماعية والممارسة المؤسسية كيف يكتسب خطاب ديني سلطته، وكيف يمتد أثره خارج التنظيم الذي حمله. ولتتبع الحد الذي يمكن أن تبلغه هذه العلاقة بين التصور والفعل، أعود إلى تجربة أسبق، قبل النظر في التحولات المؤسسية اللاحقة.

تقدم حركة جهيمان، التي اقتحمت المسجد الحرام في نوفمبر 1979، صورة حادة للتوتر بين المثال والواقع. خرجت الحركة من تيار ذي مسار فكري واجتماعي متميز عن الصحوة، كما توضح دراسة توماس هيغهامر وستيفان لاكروا. وأقرأ تجربتها هنا من جهة المنطق الذي يصل الاعتقاد بالفعل، دون دمج المسارين: تصور استنباطي يعرف سلفًا صورة نهاية التاريخ، ومنطق دولة تعالج مشكلات الأمن والتنمية والتغير بالنظم والقوانين والعلاقات الدولية.

في التصور المهدوي الذي حملته الجماعة، يصبح شخص بعينه هو المهدي، ويصبح الحاضر موعد تحقق المثال، وتتحول الحركة لتحقيقه إلى واجب مباشر. تبدأ المسألة من الفارق بين الاعتقاد بظهور المهدي والجزم بأن فردًا بعينه هو مصداق ذلك الاعتقاد. في المسافة بينهما تعمل عملية تأويل وانتقاء للقرائن، وتكتسب تأكيدات الأتباع وزنًا في تثبيت اليقين. يُقرأ اضطراب الحاضر دليلًا على قرب الخلاص، ويبدأ النموذج الاستنباطي بالعمل لتحويل الواقع إلى صورة لنهاية التاريخ بحسب الرواية المهدوية، فيما تبدو مراجعة التأويل تراجعًا عن اليقين.


هنا تظهر صورة قصوى للثقافة الاستنباطية: يُطلب من الواقع أن يحقق مثالًا حُسم سلفًا، ويُعاد تفسير ما يعارضه حتى ينسجم معه. وتتحرك الجماعة لإدخال التاريخ في الصورة التي اعتقدت أنها تعرفها مسبقًا. وفي منطق الدولة يظل الحاضر مجالًا لحاجات متجددة تتغير معها الوسائل والتدابير.

ومن هنا أستدعي العلاقة بين التصور والفعل في وعي الجماعات: تدخل الجماعة في ممارسة غايتها تحقيق نموذج الحياة المثالية، ثم تعيد الممارسة تشكيل اعتقادها بنفسها وبالعالم. تمنحها الالتزامات المشتركة والقيادة شعورًا بالتماسك، وترفع المخاطر والتضحيات كلفة التراجع. يصبح ما فعلته جزءًا من حجتها على صحة ما تعتقده، ويتغذى اليقين من الفعل الذي ولّده. وهكذا يتحول المثال إلى تجربة جماعية تعيد إنتاجه وتدفع أصحابه إلى المضي فيه. تتضح هنا الحركة المتبادلة بين شروط الممارسة والمعاني التي توجهها.

وعند العودة إلى التحولات المؤسسية اللاحقة، يكشف مثال الحسبة انتقالًا في تنظيم سلطة التدخل في المجال العام. فقد أعاد تنظيم هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام 2016 تحديد الصلاحيات، وجعل إجراءات الضبط اللاحقة لبلاغات الهيئة، ومنها الإيقاف والتحقيق والقبض، من اختصاص الشرطة ومكافحة المخدرات بحسب الاختصاص، مع إبقاء دور الهيئة في الدعوة والإبلاغ. يضع هذا التنظيم الاختصاص والإجراء في مركز مشروعية التدخل، ويجعل حدود سلطة الموظف محكومة بوظيفته النظامية.

لكن المعاني التي أحاطت بهذه السلطة تمتد إلى التنشئة والعلاقات اليومية. فصورة (النائب) أو رجل الحسبة في الذاكرة المحلية تذكرنا بأن سلطة التدخل تستند أيضًا إلى اعتراف الجماعة بمن تراه حارسًا لصلاحها. ويظل تحول هذه المعاني مرتبطًا بما يمنحه الناس لصاحب المكانة الدينية من حق في تقويم خيارات الآخرين. وتفتح لائحة المحافظة على الذوق العام سؤالًا متصلًا: كيف تصاغ معايير السلوك المقبول في قواعد معلنة، وتُسند ممارستها إلى اختصاص نظامي؟ يبقى أثر القاعدة مرتبطًا بكيفية فهمها وممارستها.

وهذا يقود إلى نتيجة أساسية: تقلص الظهور التنظيمي للحركات الدينية لا يثبت وحده تراجع نفوذها الاجتماعي. فقد تستمر معاييرها في تربية الأبناء، وتقدير الأشخاص، وحدود الاختلاف المقبول، حتى بعد انحسار منابرها وحضور قياداتها. وحين تستقر هذه المعايير في العلاقات اليومية، يصبح الناس قادرين على إعادة إنتاجها دون توجيه تنظيمي مباشر؛ فيحرس الأب والمعلم والصديق صورة للصلاح اكتسبوها من تلك التجربة، ويمنحون على أساسها الثقة والقبول أو يحجبونهما. ينحسر التنظيم، وتبقى علاقات تمنح المعيار قوته وتعيد إنتاجه.

وقد يعوق ذلك تحقق غايات التحول المؤسسي. ففي تطوير التعليم، مثلًا، يتوقف أثر النظم والمبادرات على المشروعية التي تكتسبها ممارستها في وعي العاملين، وعلى المعاني التي يحمّلونها لها. من هنا تأتي فائدة هذه القراءة لمؤسسات الدولة: فهم أثر الحركات الدينية يقتضي النظر إلى المعاني التي تركتها، وإلى دور المؤسسات نفسها في منحها الشرعية وتوسيع انتشارها. ويتجاوز تقدير التحول رصد الالتزام بالإجراء الجديد إلى فهم موقعه في وعي الناس: هل يرونه مشروعًا، وهل تغيرت نظرتهم إلى من يختار سلوكًا مختلفًا، وأين يجد الفرد الانتماء والتقدير حين يخرج عن النموذج الذي اعتادته جماعته؟

وتوجه هذه الأسئلة أيضًا النظر إلى جودة ما تتيحه المؤسسات من تعليم وعمل ومشاركة؛ فالتجربة التي تمنح الإنسان دورًا محترمًا ومعاملة عادلة تساعده على بناء الثقة والانتماء، وتمنح التنظيم الحديث معنى يلمسه في حياته. وتستحق العودة إلى الصحوة جهدها حين تساعدنا على فهم كيف تنتج شروط الحياة مُثُلها، وكيف تعود المُثُل لتنظيم الحياة، وكيف تشارك المؤسسات في تثبيتها أو تغييرها. عندئذ يغدو السؤال عن زوال الظاهرة سؤالًا عن تحول شروط إعادة إنتاجها أيضًا.