كل هذه المقدمة كي لا نقع في إشكال قديم، هو إشكال «الإعلام العربي ممثلًا في أحمد سعيد» الذي جعل المستمع العربي بعد 1967 يصم أذنيه تمامًا عن الإذاعات العربية، ولا أستثني والدي ــ رحمه الله ــ الذي خدم في القوات المسلحة السعودية منذ (1370هـ/1951) حتى تقاعده نهاية الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، أقول: لا أستثني والدي الذي كان يحرص على سماع «أخبار لندن من إذاعة البي بي سي» بشكل يومي، ولم يتنازل عن هذا السلوك إلا بعد ظهور القنوات الفضائية العربية.
ولهذا علينا أن نقرأ المشهد باعتباره ديالكتيك/جدلية تاريخية بين وسائل الإعلام والمتلقي، والقاعدة تقول: من يملك السبق (الصادق) في نقل الحدث/الخبر، يملك سرديته وتفسيره مهما ركض الآخرون بعده بسردية مخالفة، فالصدق ثم الصدق... أحمد سعيد مارس السبق الكاذب، فغلبه الخبر الصادق المتأخر من البي بي سي.
الذي تغير في العالم كله وليس عندنا فقط، هو ناتج هذه الجدلية، وناتج الجدلية بالمفهوم الهيغلي يعني «مزيدًا من الحرية» بما لم تتوقعه وسائل الإعلام ولا المتلقي لها، وهو ما يسميه هيغل «مكر العقل في التاريخ»، فجاءت المنصات العابرة للقارات، التي جعلت المتلقي مُنتِجًا لها أيضًا، فيصبح «ناقل الخبر» عبر الهاتف المحمول لحادث ما أوثق عند الناس في سرديته من الإعلام الرسمي الذي ينقله بعد بضع ساعات من حدوثه، فإن كان الحادث مسكوتًا عنه بقوة السلطة، فسيظهر شخص يقرأ صور الأقمار الصناعية ويسبق وسائل الإعلام الرسمية، ليصبح هو من المصادر الموثوقة التي أكد موثوقيتها بيان الدولة المتأخر!
وعليه إذا اصطففت في هذه المرحلة التاريخية من زمن الإعلام مع الدولة، بصفتي «مثقف دولة» لا «مثقف سلطة»، فأنا لا أقف مع الأساليب القديمة في إدارة الشأن الإعلامي، بل أقف مع منطق «الدولة الحديثة» التي تنظم الخوارزمية ــ قدر الإمكان ــ ولا تحجب الخبر، وتكسب الناس بالسبق الإعلامي المؤسسي.
من هنا فأنا ضد منطق وضع عربة وسائل التواصل أمام حصان الإعلام الرسمي، ثم نلوم الحصان لأنه فشل في جر العربة، متفاجئين بصراخ يعلو ركاب العربة، يدَّعي بعضهم لبعض أنهم أبطال في جر العربات، وتشاهد الكوميديا السوداء في مجتهدين لا أشك في إخلاصهم، يدفعون العربة بأيديهم من الخلف، ومنهم من يأخذه الحماس فيضع رسن الحصان على رأسه ليجر عربة وسائل التواصل، معلنًا أنه في قوة حصان الإعلام الرسمي، بما فيه من خبرات وعمل مؤسسي له تراكم تاريخي، وكوادر عركتها صناعة الخبر وأنضجتها السنون في هذا الفن. كما أنني ضد منطق «الاقتصاد السياسي» لشركات المنصات الرقمية العابرة للحدود، القائم على خوارزميات مصممة بنيويًا لجني الأرباح من خلال السيطرة على انتباهك، فالخوارزميات تكافئ المحتوى الذي يثير الغضب والاستقطاب والجدل – وهي المكونات الأساسية للديماغوجية – ليبقى المستخدم فترة أطول مع الإعلانات، وضبط هذا المحتوى ضبطًا كاملًا يعني خفض الأرباح، وهو ما تقاومه هذه الشركات بشراسة، وتقابله كثير من دول العالم المتحضرة بما تستطيعه من قوانين لتنظيم هذه المنصات، ومنها قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، مع حفاظ هذه الدول على حق شعوبها في حرية الرأي والتعبير.
هنا نكتشف حقيقة المسألة التي جعلتني أقف مع الدولة، حيث إن الإعلام ليس صراعًا على الخبر بين «دولة ودولة» بقدر ما هو ديالكتيك تعيشه «الدولة/أي دولة» بين واجبين، أولهما احترام حق مواطنيها في حرية الرأي والتعبير، والآخر حمايتهم من مخاطر هذه العولمة، ابتداءً من مواقع الاحتيال المالي التي تبيع الربح الوهمي وصولًا إلى مواقع الاحتيال الديماغوجي التي تبيع الغضب والتحريش على أنه وعي، فهذه المنصات تحمل (ثقافة السوق) بكل ما في السوق من دكاكين وضجيج وأدعياء وبضائع مقلدة مُنتَجة عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يعطي حتى الأحمق وهم القدرة على المنافسة الفكرية في أعقد المسائل وفي أي مجال... إلخ، وتبقى البضاعة الأصلية في هذا السوق هي الإعلام المؤسسي الرصين حتى مع أخطائه، لأنه أبرز جهة تمتلك آليات مهنية للمراجعة والتصحيح والمساءلة، وسيظل خزانًا ثقافيًا للباحثين عن العمق والموثوقية، وهؤلاء يستطيعون الانطلاق في «سوق المنصات» مقدمين «الخبر ومصدره مع الرأي المتزن الرصين» تاركين «الإثارة الرقمية» لغوغاء السوق.
وهؤلاء الغوغاء ليسوا طارئين على التاريخ الإنساني، فقد وجدوا منابرهم منذ اختراع المطبعة، ذلك الاختراع الذي فتح صندوق باندورا، فبدلًا من ديماغوجيين كبار من رجال الكنيسة يُعَدّون على الأصابع، انتشرت كتب عشرات الديماغوجيين الصغار مثل كتاب «مطرقة الساحرات» (1486م/1487م)، الذي غذَّى محاكمات الساحرات قرنين، فكل جديد له حُمَّى شعبية تطول أو تقصر، وقد احتاج «مكر العقل في التاريخ» قرنين ليعبر بالمطبعة من محارق الساحرات إلى التنوير، وما الخوارزمية إلا أداته الجديدة في المكر، وقد سمى هيغل التاريخ «مذبحًا يضحّى عليه بسعادة الشعوب وحكمة الدول وفضيلة الأفراد» (هيغل، العقل في التاريخ، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، ص91)، والدولة الحديثة، وهي عند هيغل تجسيد العقل في التاريخ، وجدت لكي لا يكون مواطنوها قرابين على هذا المذبح.