تخيل طالب طب يقف أمام أستاذه لمناقشة حالة سريرية معقدة. يعرض التشخيص بثقة، يشرح الخيارات العلاجية، ويستشهد بأحدث التوصيات العلمية. يبدو أداؤه متميزًا، حتى يطلب منه الأستاذ أن يضع جهازه جانبًا، وشرح كيف توصل لتشخيصه، ولماذا استبعد الاحتمالات الأخرى؟ عندها يتردد الطالب، تتراجع ثقته، وتظهر فجوة لم تكن واضحة قبل لحظات. الإجابة صحيحة، لكن الطريق إليها لم يكن طريقه.

قبل أكثر من قرن دعا الطبيب ويليام أوسلر طلابه إلى تعلم الطب عند سرير المريض، لا بما يسمعونه في المحاضرات أو يقرؤونه في الكتب. ونقل عنه قوله: «انظر، ثم فكر وقارن... لكن انظر أولًا». لم يقلل من قيمة المعرفة النظرية، إنما يؤكد أن الملاحظة والممارسة تمنحانها معناها السريري. الطبيب يتعلم من تفاصيل لا تنقلها الكتب وحدها من شكوى المريض، لغة جسده، وما يكتشفه أثناء الفحص. واليوم أصبحت الإجابات الطبية متاحة خلال ثوانٍ، يبدو هذا المبدأ أكثر أهمية.

اعتدنا القلق من أن تضعف التكنولوجيا مهارات الأطباء مع الوقت، وهي ظاهرة تعرف بفقدان المهارة (Deskilling). لكن ورقة علمية نشرتها مجلة Nature Medicine في مايو 2026 نبهت إلى خطر آخر يعرف بـ(Never-skilling)، ويمكن تسميته «اللاتمهّر»: ألا يكتسب المتدرب المهارة الأساسية أصلًا، لأن التقنية تؤدي عنه العمل الذهني الذي يفترض أن يتعلم من خلاله. وهو احتمال يستحق البحث، وإن كانت الأدلة المباشرة عليه في التعليم الطبي لا تزال محدودة.


الفرق جوهري فالطبيب الذي اعتاد قراءة الأشعة ثم اعتمد على الخوارزميات، قد تتراجع قدرته على تفسيرها مستقلًا، وقد يستعيدها بالممارسة. أما الطالب الذي بدأ تدريبه بالاعتماد عليها، قد يتخرج دون أن يطور تلك القدرة بالمستوى المطلوب. وقد يبدو الاثنان متمكنين ما دامت التقنية حاضرة، لكن الفارق يظهر حين تغيب أو تخطئ.

هنا تكمن المعضلة فالطالب الذي يصل إلى تشخيص صحيح بمساعدة الذكاء الاصطناعي قد يبدو متمكنًا، دون أن يكون قد مارس بالضرورة الملاحظة والتحليل والمقارنة التي تصنع الحكم السريري. ومع تكرار الاعتماد على الأداة، يبرز سؤال: هل نساعده على التعلم، أم نختصر عليه تجارب كان ينبغي أن يتعلم من خلالها؟ فالمهم ليس ما يعرفه فحسب، وإنما كيف اكتسب معرفته، وهل يستطيع توظيفها باستقلالية.

ما يستحق التأمل ما نلاحظه في بعض البيئات التعليمية من تراجع الالتزام بحضور المحاضرات والأنشطة الأكاديمية والتدريب السريري. الظاهرة ليست جديدة فقد سبقت الذكاء الاصطناعي مع المحاضرات المسجلة والملخصات الجاهزة، لكن التقنية قد تعزز شعور بعض الطلاب بأن ما يفوتهم يمكن تعويضه بسهولة. غير أن النقاش مع الأستاذ، والتفاعل مع الزملاء، ومواجهة المريض، والتعلم من المواقف السريرية، خبرات لا تختزلها إجابة مهما بلغت دقتها. قد تعوض التقنية معلومة فاتت الطالب، لكنها لا تعوض بالضرورة تجربة لم يعشها ولا مريضًا لم يفحصه.

تظهر مفارقة أخرى حين يصبح الطالب أمهر من أستاذه في استخدام الأدوات الذكية، بينما يظل الأستاذ أقدر على الحكم السريري. فقد ينتج الطالب تقريرًا متقنًا أو خطة علاجية مقنعة دون امتلاك الفهم الذي توحي به. لذلك ينبغي ألا نكتفي بتقييم الإجابة النهائية إنما نفحص مسار الاستدلال والقدرة على اتخاذ القرار دون مساعدة.

لا يعني ذلك إبعاد الذكاء الاصطناعي عن التعليم الطبي فهو يفتح فرصاً للتعلم وتطوير الممارسة. لكن السؤال هو متى نستخدمه وكيف. فالأداة التي توسع قدرات الطبيب الخبير قد تحد من فرص المبتدئ في بناء قدراته إذا اعتمد عليها مبكرًا. وبعض صعوبات التعلم وتحديات التعليم الطبي ليست عوائق ينبغي إزالتها إنما خبرات يتشكل خلالها التفكير السريري.

في المملكة مع تسارع التحول الرقمي في التعليم الصحي تبرز فرصة لإعادة التفكير في كيفية إعداد الطبيب وتقييم كفاءته. ويمكن لكليات الطب أن تتبنى نهجاً يجمع بين تقييم التفكير السريري المستقل، وتقييم القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة نقدية ومسؤولة. فيطلب من الطالب أولًا تحليل الحالة وبناء تشخيصه دون مساعدة، ثم الاستعانة بالأداة ومناقشة ما قدمته، وتحديد ما يقبله من نتائجها وما يرفضه ولماذا. ويتطلب ذلك تعزيز التقييم المباشر أثناء التدريب السريري، بحيث لا يُكتفى بما يقدمه الطالب من إجابات وتقارير، بل بقدرته على فحص المريض والتواصل معه واتخاذ القرار. فالمطلوب أن نعرف ما يستطيع الطبيب فعله بنفسه، وكيف يستفيد من التقنية دون أن يتنازل لها عن حكمه السريري.

تغيرت الوسائل منذ زمن أوسلر، لكن جوهر الطب لم يتغير فالمريض يحتاج إلى طبيب يراه ويفهمه ويتحمل مسؤولية قراره. وحين تصبح الإجابات متاحة للجميع، تزداد قيمة العقل الذي يعرف كيف يسأل ويشك ويحكم. فالمريض لا يحتاج إلى طبيب يمتلك الإجابة فحسب، وإنما إلى طبيب يفهم لماذا يثق بها.