نستأنف اليوم سلسلة «قراءات في فكر الأمير محمد بن سلمان»، بعد توقف بدأ بوقفة منهجية امتدت أربعة مقالات، راجعنا فيها أسس هذه القراءة ومصادرها، وحدود نسبة الأفكار إلى صاحبها، وكيفية استخلاص المفاهيم والعلاقات بينها، وكانت وقفة ضرورية، بل كان الأولى أن تتصدر السلسلة منذ بدايتها، ثم خصصنا مجموعة من المقالات لقراءة كتاب «الغريب: قراءة وجودية في شخصية جهيمان» للدكتورة لطيفة الشعلان، وما أثاره من أسئلة فكرية وتاريخية.

ونعود اليوم إلى السلسلة لنواصل البحث في موقع الإنسان والمجتمع في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، بدءًا بالإنسان بوصفه غاية التحول وأداته، ثم المجتمع والأسرة والمرأة والشباب، وصولًا إلى التعليم وجودة الحياة وغيرها من الموضوعات التي تكشفها القراءة وتثبت استقلالها.

وفي هذه المقالات ننتقل من النظر في التحول ومؤسساته إلى الإنسان الذي يستهدفه، والمجتمع الذي تجري فيه تحولاته، بحثًا عن التصورات الفكرية التي تصل بين بناء الإنسان وتطوير المجتمع وصناعة المستقبل.


وحينما نقرأ التحولات التي شهدتها السعودية منذ إطلاق رؤية السعودية 2030، قد تستوقفنا المشروعات الكبرى، والإصلاحات الاقتصادية، وإعادة بناء المؤسسات، واتساع الفرص، لكن سؤالًا يظل أكثر أهمية من تعداد هذه المنجزات: أين يقع الإنسان في هذا المشروع؟ وهل يراد له أن يكون المستفيد من نتائجه، أم المشارك في صناعتها؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، غير أن الإجابة عنه تكشف جانبًا أساسيًا من التصور الذي يمكن استخلاصه من فكر الأمير محمد بن سلمان، وهو أن الإنسان ليس غاية التحول وحدها، ولا أداته وحدها، وإنما يجمع بين الموقعين؛ فالتحول يستهدف تحسين حياته، لكنه لا يستطيع بلوغ غاياته من دون تنمية قدراته وإطلاق طاقاته.

ولعل هذا الجمع بين الغاية والأداة هو المدخل الأنسب لفهم موقع الإنسان في المشروع السعودي الجديد، وفي مقابلة سمو الأمير مع عبدالله المديفر عام 2021، تحدث عن الفرص التي تملكها المملكة، وعن ضرورة استثمارها، فقال: «ونطور قدراتنا البشرية ونطور قدرات الحكومة لتحقيق هذه الفرص بأسرع وقت ممكن»، وفي هذا الربط دلالة مهمة؛ فالفرصة، مهما عظمت، لا تتحول إلى واقع بمجرد اكتشافها، وإنما تحتاج إلى إنسان يمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على العمل.

هنا يظهر الإنسان بوصفه شرطًا للإنجاز، لا مجرد عنصر من عناصره، فالثروات والمواقع الجغرافية والاستثمارات والتقنيات لا تنتج قيمتها كاملة بذاتها، وإنما بما يمتلكه الإنسان من قدرة على إدارتها وتطويرها وتحويل إمكاناتها إلى نتائج.

لكن الاقتصار على هذه الصورة يختزل الإنسان في وظيفته الإنتاجية، وكأن قيمته تقاس بما يضيفه إلى الاقتصاد وحده، وهو اختزال لا تسمح به القراءة الأوسع لخطاب الأمير ووثائق المشروع الذي يقوده، ففي المقابلة نفسها، وحين تحدث الأمير عن التحديات التي فرضها الاعتماد على النفط والنمو السكاني، ربط دوافع الرؤية بالمحافظة على مستوى الحياة وتحسينه، وقال: «نحن السعوديين نريد أن نحافظ على نفس مستوى الحياة وأفضل مع مرور الزمن ونستمر في النمو في المستقبل».

وهذا شاهد على أن الإنسان ليس مجرد وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي، وإنما شاهد على أن تحسين حياته واستمرار هذا التحسن من الغايات التي يراد للنمو أن يخدمها.

وهنا تتضح العلاقة بين الاتجاهين: نحن لا نبني الإنسان لكي يخدم التنمية فحسب، بل نبني التنمية لكي تخدم الإنسان أيضًا.

ولذلك فإن برامج تنمية القدرات البشرية وجودة الحياة وتحول القطاع الصحي والإسكان لا ينبغي قراءتها بوصفها قطاعات منفصلة فحسب، وإنما باعتبارها مسارات تتقاطع عند الإنسان؛ بعضها يزيد قدرته على الفعل، وبعضها يحسن شروط حياته، وبعضها يجمع بين الأمرين.

وهذا يفتح سؤالًا آخر: أي إنسان يحتاجه التحول؟ وهنا، لا تكفي الإجابة بأنه الإنسان المتعلم أو المؤهل مهنيًا؛ فالمشروع الذي يتجه إلى المستقبل يحتاج إنسانًا يستطيع الاستمرار في التعلم، والتكيف مع المتغيرات، واكتساب مهارات جديدة، والتعامل مع المعرفة والتقنية بوصفهما مجالين متجددين، لا رصيدًا يكتسبه مرة واحدة.

ولهذا تمتد تنمية القدرات البشرية، في وثائق البرنامج المخصص لها، من الطفولة المبكرة إلى التعلم مدى الحياة، وتشمل المعرفة والمهارات والقيم، ولا تنتهي عند التخرج أو الحصول على الوظيفة.

والمعنى هنا يتجاوز إصلاح التعليم إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإنسان والزمن؛ فالإنسان الذي أعد لمهنة واحدة قد يجد نفسه أمام عالم تغيرت فيه المهن، أما الإنسان القادر على التعلم المستمر فيمتلك إمكانية تجديد قدرته كلما تغيرت الظروف.

ولذلك يصبح الاستثمار في الإنسان استثمارًا لا ينتهي عند عمر أو شهادة أو وظيفة، وفي هذه النقطة يظهر فارق آخر بين الإنسان بوصفه موردًا بشريًا والإنسان بوصفه قيمة إنسانية واجتماعية؛ فالأول يركز على المهارة والإنتاج والكفاءة، بينما يتسع الثاني للصحة والكرامة والاستقرار الأسري والانتماء والمشاركة وجودة الحياة، ولا ينبغي وضع المعنيين في مواجهة بعضهما؛ لأن الإنسان الذي يتمتع بحياة أفضل تتسع فرص مشاركته، والإنسان الذي يمتلك القدرة على المشاركة يصبح أقدر على تحسين حياته وحياة مجتمعه، فالقدرة وجودة الحياة ليستا غايتين متنافستين، وإنما مساران متكاملان.

وهذا التكامل يساعد أيضًا على فهم أن الإنسان في المشروع ليس صورة واحدة؛ فلا يمكن اختزاله في الشاب الداخل إلى سوق العمل، أو الموظف الذي يحتاج إلى رفع مهاراته، وإنما يشمل الطفل الذي تتشكل قدراته، والمرأة التي تتسع فرص مشاركتها، وكبير السن الذي يحتاج إلى حياة كريمة، والأشخاص ذوي الإعاقة الذين ينبغي أن تتاح لهم فرص التعليم والعمل والمشاركة، وغيرهم ممن تختلف احتياجاتهم وقدراتهم ومراحل حياتهم، فالإنسان غاية للتحول حتى عندما لا يكون قادرًا على الإسهام الاقتصادي المباشر، وهذه نقطة جوهرية؛ لأنها تمنعنا من تحويل التنمية البشرية إلى مجرد حساب للعائد الإنتاجي.

وإذا كانت المقالات السابقة قد تناولت المواطن بوصفه شريكًا في المشروع الوطني، فإن الحديث عن الإنسان هنا أوسع من علاقة الفرد بالدولة؛ فهو يتعلق بموقع الحياة الإنسانية نفسها في ترتيب الغايات، وبكيفية الجمع بين بناء القدرة وتحسين شروط العيش.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الصلة بين الإنسان ومفاهيم أخرى، كالفرصة والقدرة والطموح والاستدامة؛ فالفرصة لا تكتمل إن لم يجد الإنسان سبيلًا إليها، والقدرة لا تحقق غايتها إن لم تتحول إلى فعل، والطموح يحتاج إلى إنسان يستطيع حمله، أما الاستدامة فتقتضي ألا يكون تحسين الحياة مكسبًا عابرًا ينتهي بانتهاء مشروع أو برنامج.

وهكذا لا يصبح الإنسان مجرد مستفيد أخير من سلسلة طويلة من القرارات، وإنما حاضرًا في بدايتها ونهايتها؛ تبدأ بعض السياسات من احتياجاته، وتعتمد في تنفيذها على قدراته، ثم تعود نتائجها إلى حياته ومجتمعه.

ولعل هذه هي الخلاصة التي يمكن أن ننتهي إليها: في فكر الأمير محمد بن سلمان، كما تكشفه أقواله ووثائق المشروع الذي يقوده، لا يكتمل بناء الدولة الحديثة ببناء المؤسسات والاقتصاد والمشروعات وحدها، وإنما ببناء الإنسان الذي يستطيع أن ينهض بها، وبناء الحياة التي تستحق أن ينهض من أجلها، فالإنسان هنا ليس على هامش التحول، بل في قلبه؛ هو غايته التي يتجه إليها، وأداته التي يتحقق بها.