في هذا المقال، هناك ما قد يراه البعض مفاجأة، لكنه بالنسبة إلينا مأساة حقيقية للعقل العربي!

كثيرًا ما نسمع أحاديث عن دهاء الغرب في السياسة، ودقة تخطيطه، وقدرته على إدارة الأزمات وتحقيق أهدافه. ويتساءل البعض:

كيف ينجحون في وضع خطط بهذه الدقة؟ كيف يستطيعون استشراف الأحداث والتعامل مع تعقيداتها؟


الموضوع، في جوهره، أبسط مما يتصور البعض: الغرب لا يمتلك بالضرورة عقولًا أكثر ذكاءً، لكنه يمتلك في كثير من مؤسساته منهجيات علمية وأدوات تحليلية يستخدمها لفهم الأزمات وصناعة القرار. (التخطيط العلمي المبني على الأدلة والمدارس السياسية).

فهو يبدأ بتحليل المشكلة، وتحديد عناصرها وأطرافها ومصالحها ومصادر قوتها، مستندًا إلى الأدلة والمدارس العلمية في العلوم السياسية والعلاقات الدولية والنماذج التحليلية، ثم يستخدم المنهجية نفسها لبناء السيناريوهات ووضع الخطط واختيار الحلول المناسبة.

أما في جانب كبير من العقل السياسي والإداري العربي، فغالبًا ما نجد اعتمادًا على الرأي الشخصي، أو ردود الفعل الآنية، أو الاجتهادات الاعتباطية، أو ما يمليه الموقف في حينه، وربما الخبرة الشخصية، دون إخضاع الأزمة لتحليل علمي منظم أو الاستناد إلى نموذج أو مدرسة سياسية واضحة في اتخاذ القرار.

أخذنا الأزمة اليمنية نموذجًا تطبيقيًا لهذه المفارقة.

استخدمنا إحدى أشهر المدارس في العلاقات الدولية، وهي الواقعية السياسية (Political Realism)، لتحليل الأزمة وفهم طبيعة الأطراف ومصالحها ومصادر قوتها وموازين النفوذ والردع، ثم بناء السيناريوهات والخيارات الإستراتيجية للتعامل معها. اخترنا هذه المدرسة لما توفره من أدوات مناسبة لفهم طبيعة الصراعات السياسية والأمنية في منطقتنا.

وكجزء من تحليل الأزمة، لم نكتفِ بالتنظير السياسي، بل رجعنا إلى التجارب التاريخية، وأسقطنا نماذج من الحركات المسلحة على الحالة الحوثية، بهدف المقارنة واستخلاص الدروس، وليس الادعاء بتطابق التجارب.

واخترنا ست تجارب تاريخية:

حركة نمور التاميل (LTTE).

حزب العمال الكردستاني (PKK).

الجيش الجمهوري الإيرلندي (IRA).

القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC).

حركة الدرب المضيء (Shining Path).

تنظيم داعش (ISIS).

من خلال المقارنة والتحليل، درسنا طبيعة هذه الحركات، ومصادر قوتها، وهياكلها التنظيمية والعسكرية، والظروف التي ساعدت على استمرارها أو أدت إلى تراجعها أو تفككها، ومدى إمكانية الاستفادة من تلك التجارب في التعامل مع الحوثيين.

بعد ذلك، بنينا السيناريوهات والخيارات المحتملة استنادًا إلى مرتكزات مدرسة الواقعية السياسية، بهدف الوصول إلى إستراتيجية أكثر واقعية وفاعلية للتعامل مع الأزمة اليمنية.

لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في نتائج التحليل وحدها، بل في الطريقة التي أُدير بها الملف اليمني!

من الصعب اختصار عشرات الصفحات من التحليل في مقال واحد، لكن ما توصلنا إليه كان صادمًا؛ إذ وجدنا أخطاء إستراتيجية متكررة، وتناقضات في التعامل مع الأزمة، وغيابًا واضحًا للترابط بين تحليل المشكلة واختيار أدوات التعامل معها.

بل إن بعض الممارسات الصادرة عن الشرعية اليمنية نفسها لا تضر بموقفها السياسي فحسب، وإنما تمس أسس بناء الدولة وشرعيتها ومؤسساتها. والأمثلة على ذلك كثيرة.

ومن أبرز الإشكاليات الخلط بين التفاوض مع طرف سياسي يعمل داخل النظام، والتفاوض مع جماعة مسلحة تسعى إلى الاحتفاظ بسلطة عسكرية مستقلة عن الدولة.

فالدولة تتفاوض عادة مع أطراف تسعى إلى تحقيق مصالح ضمن النظام السياسي، أما الجماعة المسلحة التي تسعى إلى الاحتفاظ بسلطة عسكرية مستقلة عن الدولة، فإن التفاوض معها قد يتحول إلى وسيلة لإضفاء الطابع المؤسسي على الانقلاب!

وهنا تكمن إحدى أخطر المعضلات الإستراتيجية: أن يتحول التفاوض، بدلًا من أن يكون أداة لاستعادة الدولة، إلى مسار يكرّس واقعًا يناقض وجودها وسيادتها.

نتعامل مع الحوثيين باعتبارهم فصيلًا مسلحًا من خارج الدولة (Non-State Armed Actor)، وليس دولة أو كيانًا سياسيًا تقليديًا. وعند مقارنتهم بست تجارب تاريخية لحركات مسلحة، وجدنا أنهم يختلفون عنها في بعض الخصائص، لكنهم يتقاطعون معها في سمات إستراتيجية محددة فهم يتشابهون مع:

داعش: من حيث امتلاك سلطة أمر واقع، والسيطرة على مؤسسات الدولة، والقدرة على استخدام القوة خارج حدود الإقليم الذي يسيطر عليه.

نمور التاميل: من حيث امتلاك بنية عسكرية وتنظيمية مستقلة عن الدولة.

الدرب المضيء: من حيث أهمية القيادة العقائدية المركزية في تماسك التنظيم وتوجيهه.

فارك والجيش الجمهوري الإيرلندي: تختلف الحالة الحوثية عنهما في مستوى تعقيد مسألة دمجها في نظام سياسي وطني، بالنظر إلى احتفاظها بسلطة عسكرية موازية وارتباطاتها الإقليمية.

من أبرز ما كشفه التحليل مشكلة المصداقية والالتزام لدى الحوثيين، في ضوء نقض عشرات الاتفاقيات مع الحكومات اليمنية المتعاقبة. لكن المفاجأة أن هذه ليست المشكلة الأكبر!

المشكلة الأعمق تكمن في الاتفاقيات نفسها؛ إذ افتقر كثير منها إلى الحد الأدنى من الاحترافية والعناصر اللازمة لضمان مصداقيتها واستمراريتها، مثل آليات التحقق والرقابة، ومراحل التنفيذ، والضمانات، والعواقب المترتبة على الإخلال بالالتزامات. بل إن بعض الاتفاقات يبدو، من حيث طريقة صياغته وبنائه، وكأنه وُضع على يد هاوٍ، أو صُمم بطريقة تجعل نقضه أمرًا متوقعًا!

كما رصدنا أخطاء متكررة من مختلف الأطراف في إدارة الأزمة والتعامل السياسي معها، بما في ذلك ممارسات أضعفت أسس بناء الدولة وشرعيتها.

من أكبر المفاجآت أن التاريخ يقدم أدوات ومسارات معروفة للتعامل مع الفصائل المسلحة، سياسيًا وعسكريًا، وماليًا، وأمنيًا، ومؤسسيًا. وكان من المفترض استخدام هذه الأدوات كإطار عام، ثم تصميم إستراتيجية خاصة بالحالة الحوثية تستفيد من التجارب التاريخية وتراعي خصوصية الفصيل وطبيعة قوته وارتباطاته.

لكننا وجدنا أن الحد الأدنى من هذه القواعد العامة لم يُستخدم في الحالة الحوثية؛ فمن بين ستة عناصر رئيسة حددناها للتعامل مع الفصائل المسلحة، لم نجد سوى عنصريْن، أو ربما عنصر واحد، قد استُخدما بصورة واضحة، بينما غابت بقية العناصر عن إستراتيجية مترابطة وشاملة.

وهنا لا نتحدث عن اختلاف في وجهات النظر أو اختيار أدوات دون أخرى، بل عن غياب واضح للتكامل الإستراتيجي في إدارة الأزمة.

خرجنا بعشرة استنتاجات من الملف اليمني، قد لا تعجب الكثيرين، ولن أذكرها هنا؛ فلا تتعب نفسك بالكلام: Don’t waste your breath.