الندم كذبة؛ يرويها الضعفاء لأنفسهم كي لا يعترفوا بأنهم اختاروا. كذبة أنيقة، تمنح صاحبها إحساس المظلوم، وتعفيه من تبعات المسؤولية، ليبدو حكيمًا وهو في الحقيقة يتهرب.

لا أحد يقرر من فراغ. كل قرار يتخذه صاحبه بخبرته وعلمه ورغبته، وبقدر من الجهل يساوي ما ينقصه من تجربة يومها. هذا هو القرار بكل معطياته، ومن اتخذه حرا فهو قراره وحده، ونتيجته تخصه وحده، رحيمة كانت أو مؤلمة. لم يوقع أحد عنه، ولم يجره أحد من يده إلى ذلك الطريق، فلماذا يبحث بعد سنوات عمن يدفع عنه الفاتورة؟

لكن الضحايا لا يحتملون هذه الحقيقة. يحتاجون دائمًا إلى متهم «الظروف، الآخرين، والتوقيت». فإن لم يجدوا، اتهموا جهلهم القديم، وحاكموا قرار الأمس بوعي اليوم، ثم سموا ذلك «ندمًا». والأدهى أنهم يحملون ندمهم وسامًا يعرضونه في المجالس متباهين، يستجدون به التعاطف، وكأن «البكاء على اللبن المسكوب» إنجاز يستحق التصفيق.


الجهل لم يظلم أحدًا، كان شرطا للتعلم لا سببًا للخسارة. فالعقل لا ينضج إلا بالخطأ، ومن يلعن قراره الخاطئ، يلعن الدرس الذي صنعه. ومن يتمنى لو أنه لم يخطئ، يتمنى في الحقيقة لو بقي على جهله؛ أن يكون اليوم كما كان بالأمس، بلا ندبة ولا درس ولا وعي.

من يطلب فرصة ثانية لا يريد تصحيح الماضي، بل الهروب منه. هو يعترف، دون أن يدري، بأنه لم يكن يومًا سيد قراره. ثم إن الفرصة الثانية لا تضمن له شيئًا؛ فمن لم يتحمل نتيجة قراره الأول، لن يتحمل نتيجة الثاني، وسيعود بعد سنوات يطلب فرصة ثالثة، ثم رابعة، في دائرة لا تنتهي من التسول.

لا يجتمع في إنسان واحد، أن يكون صاحب القرار وضحيته. إما أن يختار ويتحمل، وإما أن يسلم قراره لغيره، ثم لا يحق له أن يشكو. أما الندم، فليس إلا اعترافا متأخرا بالعجز، يتنكر في ثوب الحكمة.

أخيرا.. الأقوياء يدفنون قراراتهم الخاطئة ويمضون، أما الضعفاء فينبشونها كل ليلة، ويتوسلون إليها أن تمنحهم فرصة ثانية.. وما الموتى بمجيبين.